التحريض على الأسرى ... عسكرة الإعلام الإسرائيلي وغياب الرأي الآخر
رام الله 12-7-2011- سلطت وزارة شؤون الأسرى والمحررين في السلطة الوطنية الفلسطينية الضوء على ظاهرة التحريض الواسعة التي شنتها الصحافة الاسرائيلية على الأسرى الفلسطينيين القابعين في سجون الاحتلال الاسرائيلي، والتي لعبت دورا رئيسيا في التأثير على قرارات الحكومة الاسرائيلية الأخيرة والتي أعلنها رئيس الحكومة نتنياهو يوم 24/6 بفرض عقوبات وتشديدات على حياة الأسرى المعيشية والإنسانية.
تشويه الرأي العام:
وكانت الصحافة الاسرائيلية وبشكل غير موضوعي ودقيق قد نشرت صورا لمجموعة من الأسرى يأكلون داخل خيمتهم الضيقة في سجن النقب الصحراوي، وأبرزت ذلك بطريقة مضخمة ومشوهة وكأن الأسرى يعيشون في فندق خمس نجوم بالمقارنة مع أوضاع الجندي شاليط، وأنهم يحظون بامتيازات معيشية كبيرة، وأنهم في رفاهية عالية تستوجب إعادة النظر في شروط حياتهم والدعوة الى تشديد الإجراءات عليهم.
وقادت الصحافة الإسرائيلية الهجوم أولا على الأسرى، واستثارت اليمين المتطرف في المجتمع الإسرائيلي وأعضاء الكنيست من الأحزاب اليمينية ، وخلقت أجواء عدائية الى درجة أصبحت الآراء الأخرى صامتة أو خائفة وغير قادرة على البحث عن الموضوعية.
وقد فقدت الصحافة الإسرائيلية مهنيتها ولم تحافظ على مسافة بينها وبين المؤسسة العسكرية والأمنية الاسرائيلية، بل تحولت الى جزء منها وشريك لها في شن الهجوم على الأسرى.
لم تحاول الصحافة الإسرائيلية إثارة ضجة إعلامية كما يحصل الآن عندما بثت القناة الثانية الإسرائيلية فلما مصورا عن جريمة قتل الأسير محمد الأشقر عام 2007 في سجن النقب، ولم تحاول أن تبرز سياسة اعتقال القاصرين الأطفال والاعتقال الإداري والأسرى المعزولين في زنازين انفرادية منذ 9 سنوات، بل لم تحاول أن تشرح للرأي العام الإسرائيلي أن المواد الغذائية التي يتناولها الأسرى يشترونها على حسابهم الخاص من شركات خاصة تابعة لإدارة السجون وبأسعار مرتفعة، وأن مئات العائلات محرومة من زيارة أبنائها منذ سنوات طويلة وبدون أية أسباب قانونية ومنطقية.
إن نشر صور لأسرى يأكلون داخل سجنهم وتضخيمها إعلاميا وخلق أجواء مشحونة بالكراهية والعداء والاستفزاز وإثارة المشاعر في الرأي العام الإسرائيلي، كان أمرا غريبا بحيث لم تلق صور نشرت على يد جنود ومجندات إسرائيليات وهم يعذبون وينكلون بالأسرى و بشكل مهين ومذل مثل هذا الضجيج الإعلامي.
عسكرة الإعلام الإسرائيلي:
المجتمع الإسرائيلي يسير نحو العسكرة والتربية على الحرب والاعتداء على الآخرين، يفقد هذا المجتمع منيته وروحه الأخلاقية، ومن يتابع ما نشر في يديعوت ومعاريف والصحافة اليمينية في الفترة الأخيرة، يجد الى أي مدى يتجه الإعلام نحو العسكرة وتغذية روح التطرف والعداء تجاه الشعب الفلسطيني، فهذه الصحافة تحدثت عن ( ظروف ممتازة للأسرى)، وأن الأسرى يديرون حياة حرّة داخل السجون، وأن الأسرى يأكلون على موائد فاخرة ويتفرجون على مباريات كرة القدم، ويتعلمون ويحصلون على الماجستير وأنهم على اتصال مع عائلاتهم، وأنهم ( قتلة ) و ( مجرمين ) يجب أن لا يحظوا بهذه الامتيازات ما دام شاليط لا يحظى بها.
الصحافة الإسرائيلية أرادت أن تتحول دولة اسرائيل الى تنظيم مسلح، وأن تتجرد من كونها دولة أصبحت عضو في الأمم المتحدة وعليها التزامات الدولة والالتزام بالقرارات والمواثيق الدولية وقرارات الأمم المتحدة، والمواثيق الإنسانية والدولية.
ويتضح من كل ذلك أن تعزيز الروح القومية المتطرفة وتفضيل القوة والدعوة الى تغيير ظروف الأسرى الى الأسوأ، و إثارة الخوف والذعر، وتصوير حالة أسرى يأكلون بالسجن وكأنه كارثة ستقع، كل ذلك ساهم في تحويل المجتمع الإسرائيلي الى مجتمع عسكري، حيث تحولت الصحافة والإعلام الإسرائيلي الى جزء من مشهد الحياة العامة، وتصبح الحرب عاملا موحدا لكافة شرائح ومكونات المجتمع في اسرائيل، وبالتالي تساهم في إزالة كافة العوائق او العقبات الأخلاقية في المجتمع، وبفرض شرعية في عدم الإصغاء الى الآخر، واللامبالاة بما يجري لدى هذا الآخر.
الإعلام الاسرائيلي ......... وشاليط:
تناول الإعلام الاسرائيلي واقع الأسرى الفلسطينيين كواقع جيد وممتاز بالمقارنة مع ظروف احتجاز الجندي الاسرائيلي شاليط، في محاولة تحريضية ودعوة لحرمان الأسرى من كل الشروط التي لا يحظى بها الجندي شاليط.
وغفلت الصحافة عن البعد الموضوعي والواقعي حول احتجاز الجندي شاليط، ودعت بشكل واضح للانتقام من الأسرى في محاولة لبلورة رؤية سياسية إسرائيلية بأن ذلك سيساهم في الإفراج عن شاليط.
الإعلام الإسرائيلي يدرك تماما أن فرض العقوبات على الأسرى والتحريض عليهم ليست وسيلة ناجحة بل فاشلة في الإفراج عن شاليط، وتجربة الحرب على غزة عام 2009 هي اكبر دليل على ذلك، ثم أنها ساهمت في فرض عقوبات جماعية على الأسرى، وأغفلت تناول العقبات الى وضعها نتنياهو أمام انجاز الصفقة التي كانت في مراحلها الأخيرة، ثم أنها لم تدرك أن كافة صفقات التبادل قد جرت سابقا في نفس الظروف والأوضاع التي يحتجز فيها الجندي شاليط.
لقد أعطت الصحافة الاسرائيلية غطاءا لفشل نتنياهو بالتقدم نحو تسوية عادلة مع الشعب الفلسطيني، وغطاءا لفشله في انجاز صفقة التبادل، وأعطته ضوءا اخضر وفرصة لجعل ساحة السجون عنونا للتهرب من هذا الفشل السياسي والتراجع الأخلاقي الذي تمر به دولة اسرائيل وانحدار صورتها الى الحضيض في المجتمع الدولي، وخاصة بعد نشر تقرير لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عام 2010 والتي أظهر دولة اسرائيل من أبرز الدول في انتهاكات حقوق الإنسان.
الصحافة تصنع قرار الهجوم على الأسرى:
هيأت الصحافة الإسرائيلية للمؤسسة الحاكمة في اسرائيل إعلان العدوان على حقوق الأسرى، عندما أعلن نتيناهو فرض عقوبات على الأسرى بدأ تنفيذها بشكل شامل وتعسفي وخطير، ولم يتم حتى مناقشته في إدعائه بالالتزام بالقانون الدولي الذي لا يسمح له ولا لدولته فرض مثل هذه العقوبات اللاإنسانية والتي أكدت أن اسرائيل دولة فوق القانون، تتصرف كعصابة في المنطقة.
وهيأت الصحافة الإسرائيلية من خلال تحريضها على الأسرى لمجموعة من أعضاء الكنيست الإسرائيلي من اليمين بوضع مشاريع قوانين عنصرية ضد حقوق الأسرى تمس كرامتهم الإنسانية ،وتنتهك وتحت غطاء القانون اتفاقيات جنيف وكافة المواثيق الدولية والإنسانية.
وشجعت أعضاء كنيست للمطالبة بإعدام الأسرى كالدعوة التي أطلقها "ميخائيل بن آري" وتشبيه الأسرى بالكلاب والدعوة الى قتلهم وتسميمهم كما ورد على لسان الفنان الإسرائيلي "أيال جيفن"، ودعوة رئيس لجنة الكنيست "يريف ليفيل" الى الإسراع في سن قوانين تزيد صعوبة الحياة على الأسرى وحرمانهم من مشاهدة التلفاز والزيارات والتعليم.
واعتبر عضو الكنيست "اشتيلر" أن ظروف الأسرى المريحة حسب قوله سوف تؤدي الى حقل من الدماء تجاه الشعب الإسرائيلي.
إن الصحافة الإسرائيلية نجحت في صناعة قرار الهجوم على الأسرى، وبدأت قوات القمع التي تسمى نحشون بالاعتداء عليهم، وتم حرمان الأسرى من كافة حقوقهم الإنسانية، ولكنها فشلت تماما في الاقتراب من القوانين الإنسانية وعززت صورة دولة اسرائيل كدولة مستهترة تفعل ما تشاء ولا كرامة لديها للإنسان، إنها نجحت أكثر في إفساد المجتمع الإسرائيلي وتحويله الى مشهد عسكري.