أسير في سجن النقب يروي تفاصيل  وحشية طبيب إسرائيلي

أجرى له عملية جراحية دون تخدير



 

رام الله - وفا- رغم عشرات الشهادات والقصص الواردة من سجون الاحتلال التي تروي تفاصيل الحقد الإسرائيلي على كل ما هو فلسطيني إلا أن ما تعرض له أنس شحادة، المعتقل الإداري في سجن النقب الصحراوي يتجاوز كل المعاني.
فالأسير أنس كامل شحادة (24 عاماً)، من بلدة بيت أكسا جنوب رام الله، الطالب في جامعة بيرزيت، يدرس الهندسة الإلكترونية، جرى اعتقاله إدارياً في 12 كانون الاول 2003 واحتجازه في معتقل النقب الصحراوي.

ويروي أنس شهادته أو " قصته" حول ما تعرض له أثناء فترة اعتقاله، ويقول " مع بداية دخولي للنقب ومع غروب شمس اليوم الأول في عمق الصحراء ومع حلول الليل بدأ الألم يضرب أعماقي، أول مرَة أواجه ألماً من هذا النوع، مغص شديد في البطن وكأنه نصال حاد ينغرس أسفل بطني شعر الشباب بألمي فتوجهوا إلى الجنود لاستدعاء الممرِض، وبعد ساعتين من الإلحاح والصراخ حضر الممرض، وألقى بنظرات حاقدة عن بُعد، أرجع البصر على حقيبته ثم أعطى الشباب حبتي أكامول ثم انصرف، ولكن دون جدوى.
ليلة اليوم الثالث هاجمني الألم والمغص بكل ضراوة، لم تُفلح الاستغاثات ولم تجد أي أُذن صاغية ولم ينم الشباب في الخيمة معي ووقفوا على باب الخيمة يصرخون ويُنادون ويلتمسون من يُساعد في استدعاء الممرض أو طبيب المعتقل، كان الجواب الجاهز: غداً صباحاً،لا يوجد طبيب اليوم، لا توجد قوة كافية لهذه المهمة، كان الهوس الأمني يفرض عليهم قوة كبيرة كي تتمكن من سحب الأسير المريض من الخيمة إلى عيادة المعتقل.
في الصباح قرَر الشباب إخراجي إلى العيادة مهما كلَف الثمن، حملوني إلى باب الخيمة وأجلسوني على كرسي، وشرعوا بالمناداة والصراخ كي نشعرهم بأن الأمر خطير وأن الحالة طارئة ولا بد من الاستجابة الفورية، وعندما حضر الجندي المناوب حملت في يدي كمية من حبات الدواء وهددت ببلعها دفعة واحدة وأشعرته بتحمل المسؤولية إن حصل لي أي مكروه.
وأشار إلى أنه تحت وابلٍ من التهديد والوعيد حضرت مجموعة من الجنود بكامل عتادها العسكري، اشترطوا أن أسير وحدي دون حمالة أو أي مساعدة، وافقت على هذا رغم صعوبة الأمر وسرت برفقتهم كمن يُساق إلى الموت ولكنه موت لا بد منه، لم تحتمل قدماي السير طويلاً، زاغت عيناي فوقعت على الأرض، على الفور جاء الممرض فوضع إبرة المغذي في يدي، نسي فك الحبل المطاطي الذي يشد على اليد كي يبرز الشريان ويسهل عملية إدخال الإبرة.. نسيه فتجمع الدم والدواء تحت الجلد.

وأكد شحادة، أنه بعد عناءٍ طويل وسفر شاق وصل للعيادة، لم يكن فيها طبيب فانتظرت ساعتين والألم يضرب بطني بكل نصاله، أخيراً وبعد وقت مر وكأنه دهر وصل الطبيب فقرر تحويلي إلى المشفى، كبلوني من يدي ورجلي ثم سرت معهم إلى سيارة "البوسطة" حيث سافرت بي إلى مستشفى "سروكا".

وبعد وصوله إلى المستشفى، اقتاده خمسة جنود إلى عيادة الطبيب ألقوا بي على سرير الفحص، كشف عن بطني وضع يديه بصورة عصبية، كان كمن يلمس جيفة، التقزز والامتعاض ارتسم على وجهه بكل وضوح، عاد إلى طاولته وأخذ يكتب، سألته بالإنجليزية، تجاهل سؤالي، سألت ثانية وثالثة ورابعة، وأجاب باقتضاب شديد، الزائدة الدودية، تحتاج إلى عملية فوراً، طلبت استشارة طبيبي، رفضوا الاتصال التلفوني بشكلٍ قاطع، طلبت أن يتصل هو كي يطلع من طبيبي على ملفي الطبي ويعرف بعض الأمور التي لا بد من معرفتها المسبقة عن أحوالي الطبية، رفض وأظهر الضجر والغضب.
وقال شحادة: طلبت فك قيودي طالما أني سأرتبط بقيود المخدر وقوانين غرفة العمليات عدا عن وجود طاقم حراسة بكامل عتاده، خمسة من الجنود المدججين يُحيطونني برعايتهم الأمنية وأسلحتهم الوديعة، أدخلوني غرفة لتحضيري للعملية بعد ساعتين أو ثلاثة، رأيت امرأة تخرج من غرفة العمليات وجهها مستبشر وعلامات الراحة بادية في عينيها، تفاءلت وانشرح صدري ولكني سرعان ما اجتاحتني الهواجس والظنون السوداء، كيف يجتمع الطب والدواء مع هذا السلاح وهذه الأحقاد، هدأت نفسي وحاولت تطمينها، العلاج لا يخضع لمعادلات الصراع ثم إن أصحاب المهن الطبية يقسمون يمين المهنة لطفك يا رب".
ووصف شحادة الطبيب بأن "وجه عابس متجهم، تناولَني بنظراته وكأنه يصفعني بها سألته: هل التخدير موضعي أم كلي فلم يُجب".

وتابع بعد ذلك "نقلوني إلى غرفة العمليات، وجدت نفس الطبيب، سحنة واضحة من مرتزقة تلك البلاد النائية، بدأ العمل بربط رجليَ في طاولة العملية، طلبت فك قيودي الرؤوس تتحرك بالرفض تقدم أحد الجنود لفكها فرفض الطبيب عجباً الطبيب يأخذ دور الأمن وجندي القهر والقمع استمر في تربيطي بكل شدة وإحكام، وأنا أتساءل: لماذا كل هذا إذا كنت سأدخل بعد قليل في رباط التخدير والغياب التام عن كل هذه الأشكال، ثم انتقل إلى يدي المكبلتين، ألصقهما بجسدي ولفهما به بأربطته الطويلة، بدأوا العملية بدون بنج!! إني لم أتحمل المشرط هل نسي، شددت على جسمي فلم يتحرك شيء، لقد أحكم رباطي ولم يترك لي أي مجال، لا حول لي ولا قوة لوَح بالمشرط في الهواء ثم هوى به على بطني، نفر الدم بغزارة شعرت بصدمة عصبية تنتابني قلبي بلغ حنجرتي تسارعت ضرباته اهتز كياني بعد أن ضرب الألم خاصرتي، شعرت بتوقف القلب وذهول العقل، أيقنت بالموت تشهدت على روحي ورحت أعد نفسي للقاء ربي وكأنهم لا يُريدون لي هذا اللقاء والراحة من هذه الوجوه جاءوا بجهاز صاعقٍ صعقوا به قلبي عُدت إلى وعيي وشعرت بهم وهم يُدخلون بربيشاً إلى المريء بكل قسوةٍ وفظاظة وآخر إلى حيث القصبة الهوائية شعرت باختناق شديد وكأني بدون رئتين".
غبت عن وعيي ثانية بعد أن أحسست بالدماء وهي تنزلق تحت ظهري، سمعت الطبيب وهو يسب ويلعن، سمعت الممرضات وهن يطلبن منه شيئاً من الرحمة، هكذا كان يبدو عليهن ولكن كان يُسارع بمسباته، يتمعر وجهه بالحقد والانتقام ويزداد ضراوة، يردد كلمة مخرِب بالعبرية بين الحين والآخر، أفقت مرة أخرى بعد صعقة قلبية جديدة فوجدته يضع مقابض حديدية يشد بها اللحم، الدماء تفور والعرق يتفصد عن جبيني بغزارة، شممت رائحة جلد محروق وكأنه كان يُكوى بالنار، لم يستخدم الإبرة والخيط ولكنه لحام بالنار صدمت للمرة الثالثة توقف القلب لا أدري كم من الوقت بقي متوقفاً ولكني شعرت بالصعقة الكهربائية الجديدة.

بقيت معركة الألم على أشدِها، جيش معه أعتى أنواع الأسلحة يُقابل من لا سلاح له سوى الدعاء والابتهال إلى الله، ساعتان في هذه العملية الإجرامية وكأنها ألف سنة.
أخيراً نظفت الممرضات الجرح ووضعن شريطاً لاصقاً عليه ثم سحبوني إلى حيث الغرفة الأولى والمرأة التي عملت العملية قبلي، أين وجهها الذي لا يبدو عليه أثر ووجهي الذي صبغته كل ألوان العذاب، الألم يُشعل أعصابي ويدق أسافينه في بطني، والحرس من حولي يتبادلون الضحك والنكات الخليعة، لجأت إلى الصراخ بعد أن فكوا الأربطة ونزعوا قطعة الحديد من فمي، صراخ ونشيج حاد خرج عن إرادتي، وكأني أزعجت آذانهم الشامتة، جاءوا بالممرضة، سألتها ما يسكن آلامي فسارعت بإبرة رحت بعدها بسبات عميق، أفقت منتصف الليل على آلامٍ حادة تطرق أبوابي صرخت حتى جاءت الممرضة ثانية وأفرغت إبرة مرة أخرى.

صبيحة اليوم التالي جاء الجنود بصحبة طبيب، طلبوا مني الوقوف، قلت لهم أنا لا أستطيع الوقوف، يجب أن تقوم، يجب أن تعود إلى سجنك الآن، حسناً أحضروا حمالة، أنا أريد العودة لا أريد رؤية وجوهكم لحظة واحدة.

وبعد جدال عقيم تركوني وشأني أتخبط في آلامي، خذ هذه حتى يذهب الألم وتستطيع العودة إلى سجنك، أنا لا أستطيع القيام ليتني أستطيع، أخيراً قلت لهم أحضروا كرسياً متحركاً عندها سأعود معكم، بعد العصر تدافعني الجنود فيما بينهم وأخرجوني من المشفى عنوة، أجر آلامي وكأن أرجلي قاطرة تجر عربات كثيرة محملةٍ بالآلام الثقيلة، أتمايل بين وخزات الألم ووخزات ضحكاتهم الساخرة وأمخر عباب القهر وأقسى أنواع التنكيل.