|
|
إسرائيل و مروان ألبرغوثي
![]() |
![]() |
|
سفيان أبو زايدة |
مروان البرغوثي |
د.سفيان أبو زايدة
مختص في الشئون الإسرائيلية
ووزير الأسرى السابق
20-5-2008
على الرغم من مرور ما يزيد عن الستة أعوام على اعتقال القائد مروان ألبرغوثي إلا أن قضيته ما زالت تثير جدلا داخليا في إسرائيل، خاصة في ظل مطالبة العديد من الزعماء الإسرائيليين بالإفراج عنة، حيث منهم وزراء حاليين و سابقين و أعضاء كنيست، و شخصيات عامة و كتاب، هذا على الرغم من أن المحاكم الإسرائيلية أصدرت حكما جائرا بحقه خمس مرات مدى الحياة.
و السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو ما الذي يجعل هؤلاء يطالبون بإطلاق سراح ألبرغوثي؟ ما هي المصلحة الإسرائيلية التي من الممكن أن تكون كما يرونها أو يفهمونها؟ هل لأن مروان ألبرغوثي هو مشروع إسرائيلي و بالتالي كل ما حدث معه هو عبارة عن مسرحية و اعتقاله مجرد تلميع له كما يردد بعض "العباقرة" من الفلسطينيين؟
أم المطالبة بالإفراج عنة من قبل بعض القادة الإسرائيليين هو نابع من اعتقادهم أن مروان ألبرغوثي سيكون أداة طيعة في يد إسرائيل لتمرير المخططات الإسرائيلية التي لم تنجح في تمريرها نتيجة ثبات القيادة التاريخية على اعتبار أن مروان يتبع لهذا الجيل من الناطقين بالعبرية الذين تربوا على أيدي الاحتلال في السجون الإسرائيلية كما يحلو للبعض توصيفهم؟
في إسرائيل يرون الصورة بشكل مختلف تماما، سواء الذين يطالبون بالإفراج عنة أو الذين يرفضون بشدة مجرد التفكير بذلك لما قد يشكله من خطورة على إسرائيل، جميعهم لا يختلفون فيما بينهم على أن مروان ألبرغوثي هو قائد فلسطيني له تأثيره و وزنة و وجودة في الأسر لا يمنعه من ممارسة دوره الريادي في الساحة الفلسطينية. في إسرائيل لا يتنكرون لتاريخ الرجل الطويل في مقارعة الاحتلال أو يستخفون به. هم يدركون جيدا أن ألبرغوثي لم يسرق تاريخ أحد بل صنع تاريخه و سيرته النضالية و الوطنية من خلال مقاومة للاحتلال و الاعتقال و الإبعاد.
و يدركون أيضا انه لم يظهر بشكل مفاجئ على الساحة و كأن احد اخترعه أو صنعة حسب مواصفات معينة، بل نمى وترعرع بشكل تدريجي في زنازين الاحتلال و اتحادات الطلبة وغيرها من المحطات الكفاحية الأخرى إلى أن ألقى بنفسه في أتون اللهب. ليس بينهم خلاف أيضا انه في حال الإفراج عنة سيكون له دورا رياديا كبيرا بين أبناء الشعب الفلسطيني محليا و عربيا و دوليا للسنوات القادمة. الخلاف هو مدى الضرر أو المنفعة التي قد تعود على إسرائيل في حال الإفراج عنة. وبما أن هناك اجتهادات مختلفة حول تحديد المصالح الإسرائيلية، و مدراس مختلفة حول كيفية إدارة الصراع مع الفلسطينيين فأن هذا الاختلاف ينعكس أيضا و بشكل مباشر على الجدل الداخلي الإسرائيلي حول قضية الإفراج أو عدم الإفراج عنه. و هناك على الأقل أربعة مواقف إسرائيلية مختلفة حول هذه القضية:
أولا : موقف اليسار الإسرائيلي و غالبية أعضاء حزب العمل و على رأسهم الوزير فؤاد بن اليعيزر و نائب و زير الدفاع متان فيلنائي و أعضاء الكنيست افريم سنية و عوفير بينس و عمير بيرس. وكذلك بعض قيادات حزب كاديما، وعلى رأسهم الوزير جدعون عزرا يعتقدون أن الإفراج عن مروان ألبرغوثي سيشكل دعما نوعيا للسلطة الفلسطينية و سيشكل إسنادا إلى الرئيس أبو مازن سواء في داخل فتح أو على صعيد الصراع مع حماس، على اعتبار أن المصلحة الإسرائيلية تكمن أولا في التوصل إلى حل سياسي مع الفلسطينيين و الثاني هو إذا كان على إسرائيل أن تختار بين الحركة الوطنية الفلسطينية البرغماتية التي يعتبر مروان جزء منها و بين الحركات الإسلامية وخاصة حركة حماس، فأن الحركة الوطنية الفلسطينية التي تمثل فتح الجزء الأكبر منها هي اقل خطر على وجود إسرائيل من الحركة الإسلامية. تماما كما كان هذا الفهم معكوسا في منتصف السبعينات و مطلع الثمانينات عندما كانت الرؤيا الإسرائيلية في ذلك الحين مبنية على أساس تعزيز دور المجمع الإسلامي الذي أسسه الشيخ احمد ياسين على حساب التيار الوطني، على اعتبار أن كل من يقترب في حينه من الدين يبتعد عن مقاومة الاحتلال، وجزء كبير من قيادات المجمع الإسلامي و التي هي قيادات لحماس اليوم كانت خيارا مفضلا للاحتلال بالمقارنة مع القيادات الوطنية. المعادلة الآن انقلبت تماما، و الفهم الإسرائيلي لدى جزء كبير من الإسرائيليين أصبح يرى الأمور بصورة معكوسة.
ثانيا: موقف الأمن الإسرائيلي الذي يرى الأمور بمنظار ضيق و الذي يدرك مدى المكانة التي يتمتع بها مروان ألبرغوثي سواء في داخل فتح أو بين أبناء الشعب الفلسطيني، حيث يتابعون بلا شك استطلاعات الرأي العام التي تجريها مراكز الأبحاث المتخصصة و الموثوقه و التي تجمع على شعبية مروان ألبرغوثي و قدرته على التغلب على أي مرشح منافس من حماس. الشاباك وبغض النظر عن موقفة من الإفراج عن مروان يستمع جيدا إلى نبض الشارع الفلسطيني الذي يشعر بالضياع و التمزق وفقدان الأمل مما هو موجود، يستمعون إلى أصوات الطلبة في الجامعات التي تهتف باسمة و تقرأ بتمعن استطلاعات الرأي المختلفة، على الرغم من ذلك هم حتى الآن يعارضون الإفراج عنة حتى في إطار صفقة تبادل أسرى، وذلك لان مروان بالنسبة لهم هو قاتل للإسرائيليين، الإفراج عنه يشكل مساس بقدرة الردع الإسرائيلية، و تشجع على عمليات قتل مستقبلية. و يعتبر وزير الأمن الداخلي الحالي أفي ديختر و الذي كان رئيسا لجهاز المخابرات العامة الإسرائيلية عندما اعتقل مروان من أكثر المتشددين في عدم الإفراج عنة.
ثالثا: هناك موقف آخر يرفض الإفراج عنة بحجة أن هذه الخطوة ستضعف الرئيس عباس و ستؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار في السلطة و ستزيد من حالة الصراع الداخلي في فتح مما يشكل خطورة على استمرار العملية السياسية، هذا التيار الذي يمثله اولمرت يدرك أن هذه الذريعة ليس لها رصيد على ارض الواقع في ظل انسداد الأفق و تضائل فرص التوصل إلى حل في المرحلة الحالية.
رابعا: موقف اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يرفض فكرة الإفراج عن ألبرغوثي أو غيرة من الأسرى، و يريد أن يرى كل الشعب الفلسطيني في نفس المكان الموجود به ألبرغوثي، وليس فقط لا يعنيه استمرار العملية السياسية بل يرى في استمرارها خطرا على وجود إسرائيل و بالتالي أشخاص مثل ألبرغوثي المكان الأفضل لهم أن يبقوا في السجن، و الأفضل أكثر أن يكونوا تحت الأرض.
في كل الأحوال هناك تقديرات لدى أوساط و واسعة في إسرائيل تعتقد أن مسالة الإفراج عن ألبرغوثي هي مسألة وقت، سواء كان في إطار صفقة تبادل الأسرى التي من الممكن أن تحدث بين إسرائيل وحماس أو في سياق حل سياسي آخر، والى أن يحدث ذلك سيبقى ألبرغوثي مثار جدل قد لا ينتهي إلا بزوال الاحتلال .
مقالات أخرى للكاتب
- شيفرة شاليط والحل الممكن... ! بقلم/ د.سفيان أبو زايدة وزير الأسرى السابق 13/5