السجن السري 1391

غوانتـانامو الإسـرائيلي ... !!!

 

 

إعداد / عبد الناصـر عوني فروانـة

ابريل 2004

الإحتلال الإسرائيلي وعلى مدى سني إحتلاله لفلسطين وفي محاولة يائسة منه لقمع المقاومة وإرادة الشعب الفلسطيني ، أقام وأنشأ العديد من السجون والمعتقلات حتى وصل عددهم قرابة 28 سجناً ومعتقلاً ومركز توقيف ، وبظروف حياتية قاسية جداً لا تليق بالبشر ويُمارس بداخلها أبشع الأساليب الدموية من تعذيب وإهمال طبي متعمد وقتل بطيء وإعتداءات  بالهراوات والرصاص وتفتيش عاري وتحرش واعتداء جنسي و... إلخ .

وفي الوقت الذي كنا نناشد فيه المجتمع الدولي بكافة مؤسساته الحقوقية والإنسانية  للتدخل لإنقاذ حياة الآلاف من أسرانا ومعتقلينا مما يتعرضون له من تعذيب قاسي وظروف حياتية لا إنسانية أدت لاستشهاد المئات منهم ، علمنا قبل شهور بأن الاحتلال لم يكتفي بالسجون القائمة بل كان يقيم سجناً سرياً تم إكتشاف أمره مؤخراً وهو السجن السـري رقم 1391 وقد تكون هناك سجون سرية أخرى لم تكتشف بعد !! والذي عرف لا حقاً بسجن غوانتانامو إسرائيل ، تشبيهاً  بسجن غوانتانامو الذي تديره أمريكا والمقام في أحد المناطق التي تحتلها من كوبا وهو خاص بمعتقلي القاعدة وطالبان وظروفه قاسية جداً جداً .

وبالفعل فإن ثمة أوجه تشابه بين معسكر الاعتقال الأمريكي في كوبا وبين هذا المعسكر الإسرائيلي، وخصوصا بكل ما يتصل بعلامات الاستفهام القانونية والقضائية التي تحوم حول المعسكرين وبما يجري بداخلهما من تجاوز لمبادئ الديمقراطية والإتفاقيات الدولية ولأبسط حقوق الإنسان .

ولعل معسكر غوانتانامو الأمريكي  يتقدم على نظيره الإسرائيلي من حيث الموقع الجمالي على الأقل والضجة الإعلامية التي صاحبته والشهرة والصور التي أخذت من داخله ،  في حين يقع غوانتانامو الإسرائيلي بجانب شارع اعتيادي وسط البلاد ، وحظى بسور حصين من التكتم والسرية ، و يقول المحامي دان باكير المستشار القانوني لجمعية حقوق المواطن في إسرائيل إن "وجود معتقل من هذا النوع يثير مخاوف مزدوجة ، أولا مخاوف بوجود اعتقالات سرية وحالات " اختفاء" أو مفقودين، وثانياً مخاوف من إساءة استخدام القوة وإساءة المعاملة وممارسة العنف والتعذيب" هذه المخاوف لها أساس من الصحة كما تبين وسيتبين لاحقاً .

 وكما تقول المحامية الإسرائيلية ليئا تسيمل في إحدى مقالاتها " بأنه لا فرق بينه وبين سجن يديره الديكتاتوريين العنصريين من جنوب افريقيا " .

 

نعم فسجن " غوانتانامو الإسرائيلي " إسم يختلف عن غيره من السجون الإسرائيلية و هو مكان مجهول وغير معرّف على الخرائط وجميع الخرائط لا تحتوي على أثر للمعسكر ، ويقع بالقرب من خط حزيران 1967 الفاصل ما بين الضفة الغربية واسرائيل وهو عبارة عن بناية مبنية من الاسمنت في وسط إسرائيل، يتوسط " كيبوتس" قرية تعاونية إستيطانية إسرائيلية بالكاد ترى في أعلى التلة لأنها محاطة بالأشجار الحرجية والجدران المرتفعة و برجين مراقبة توفر الحراسة العسكرية والمراقبة المكثفة لمحيط المنطقة ، ويتعين على القادمين للمعسكر اجتياز بوابتين أحيطتا بأسلاك شائكة ، وبعد اجتياز البوابة الأولى يتم إقفالها آلياً وبعد ذلك فقط تفتح البوابة الثانية، ويحظى بتكتم وسرية عالية ، ولقد أزالت الرقابة جميع ما ذكر حول موقع السجن من الإعلام الإسرائيلي، وكانت هناك لغاية السبعينيات لافتة قرب المعسكر تشير إلى أن البناية الإسمنتية القديمة التي تتوسطه استخدمت في عهد الانتداب كمحضر للشرطة البريطانية، حيث كتب على اليافطة: " الشرطة في خدمتك دائماً " ، و بعد ذلك اختفت اليافطة، كذلك فإن اليافطة التي وضعت لاحقا قرب مدخل القاعدة والتي كتب عليها اسم المعسكر 1391، أزيلت قبل عدة سنوات ، ولا وجود له في الصور الجوية الرسمية حيث أزيل كما هو متبع إزاء المنشآت العسكرية الأخرى، و تظهر مكانه حقول وتلال أحضرت صورها  من مكان آخر لتوضع بطريقة تخفي كل أثر للمعسكر في الصور الجوية .

 

وتنتهك بداخله كافة القوانين والمواثيق الدولية والإنسانية بشكل فظيع ولم يعرف عدد المحتجزين بداخله ولم يسمح لأحد بزيارته وأي شخص يدخل هذا السجن يختفي ، ومن المحتمل للأبد ويصبح في عداد المفقودين ، و هو السجن الوحيد الذي لا يعرف المعتقلون فيه مكان احتجازهم ، و عندما حاول المعتقلين الاستيضاح، رد عليهم الحراس بأنهم محتجزون "في المريخ" أو في " الفضاء الخارجي" أو " خارج حدود إسرائيل " ، وحتى لا يتمكن المعتقلون من معرفة مكان وجودهم يتم إحضارهم لمعسكر الاعتقال بعيون معصوبة وفوقها نظارات سوداء ، وفي حال دخولهم السجن تصادر منهم حاجاتهم الشخصية، وتنزع عنهم ملابسهم ليرتدوا بدلاً منها بنطالاً وقميصاً بلون أزرق .

 

 وخلال إنتفاضة الأقصى نقل إليه العديد من المعتقلين الفلسطينيين وتم إجراء التحقيق معهم ، وكانت عائلات فلسطينية ومن قبلها لبنانية قد تقدمت بشكاوى تشير إلى إختفاء أبنائها وكأن الأرض إنشقت وإبتلعتهم ، كما ورفضت إسرائيل السماح لممثلي الصليب الأحمر بزيارته، وحتى أعضاء الكنيست الإسرائيلي لم يقوموا بزيارته مطلقاً ولم يسمح لهم بذلك ! ، وتقول النائبة في الكنيست زهافا غالئون (ميرتس) والتي لم يسمح لها بزيارة السجن "  إن حقيقة وجود سجن كهذا  لا يعرف أحد مكانه من ناحية رسمية ، هي من سمات الأنظمة الديكتاتورية " وتضيف: " لا يعقل أن يجهل المعتقلون مكان احتجازهم، وكذلك بالنسبة لأفراد عائلات المعتقلين ومحاميهم ، وبذلك  تنتهك إسرائيل برعاية الجيش حقوقاً أساسية للمعتقلين دون حسيب أو رقيب ، وتضيف " زرت جميع معتقلات التحقيق التابعة لجهاز الشاباك ولم أواجه أي مشكلة ، فما هي المشكلة التي تحول إذاً دون زيارتي لهذا السجن ؟؟ ".

 

وإذا ما تطرقنا لوصفه من الداخل سنجده عبارة عن زنازين صغيرة قائمة على دهليز طويل وتلتصق إحداها بالأخرى تفصل بينها جدران إسمنتية سميكة ، ولا يستطيع المعتقلون الإتصال فيما بينهم سوى عن طريق القرع بقوة على الجدران أو الصراخ على بعضهم كوسيلة للإتصال فيما بينهم في ظل استبعاد أي اتصال إنساني مباشر مع محامين أو زيارات الأهل أو مع معتقلين آخرين أو حتى مع حراس وسجانين ، وحتى هذا الصراخ ممنوع ويُعاقََََب عليه الأسرى من قبل جنود الحراسة ، بالإضافة لإنعدام وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة .

 

وتلك الزنازين متشابهة جداً وتعتبر سيئة للغاية إذ لا تزيد مساحتها عن متر وربع المتر مربع ، كما أن الظلمة فيها شديدة حيث طليت جدرانها باللون الأسود أو الأحمر ، و أبواب الزنازين صنعت من فولاذ سميك، ولا يوجد في الزنزانة أي نافذة أو تهوية ما عدا فتحة صغيرة في الباب لا تفتح إلاّ من الخارج ، وداخل كل زنزانة توجد مسطبة من الباطون ملاصقة لأحد الجدران تستخدم كسرير وضعت عليه فرشة (برش) وبطانية وبظروف بشعة من حيث الرطوبة والفرشات النتنة ذات الرائحة الكريهة والحرمان من أشعة الشمس، وفي الجدار المقابل للمسطبة هناك فتحة أشبه بأنبوب (ماسورة) يضخ الماء عبرها، و تخضع لسيطرة  الجنود خارج الحجرة ، وهناك تحت مصب الماء ثقب في أرضية الحجرة أو الزنزانة يستخدم ( كمرحاض ) لقضاء الحاجة ، وفي عدد من الزنازين المخصصة كما يبدو للمعتقلين قيد التحقيق لا توجد أية خدمات أو مرافق على الإطلاق و يضطر المعتقلون لقضاء حاجتهم في دلو كبير مصنوع من البلاستيك والذي نادراً ما يكون فارغاً و يتم إفراغ محتوياته مرة واحدة كل عدة أيام ، وتنعدم أدوات ومواد النظافة ، كما ولا يسمح للمعتقل بالإستحمام إلاَ كل عدة أيام ويقول أحد الأسرى " كانت أول مرة استحم فيها بعد 11 يوم ولمدة خمس دقائق " .

 

ولا يستطيع المعتقلون التمييز بين النهار والليل لأن المصباح الكهربائي الموجود في كل زنزانة يبقى مضاءً على مدار 24 ساعة في اليوم وبضوء خافت ، وتخضع جميع غرف الاعتقال لمراقبة دائمة بواسطة كاميرات تعمل بدائرة مغلقة، علما أن غالبية المعتقلين محتجزون بشكل انفرادي و يتم تعصيب عيني المعتقل في حال نقله من الزنزانة إلى غرفة التحقيق أو ما تسمى عيادة السجن.

ويتلقى المعتقلون وجبات الطعام ثلاث مرات في اليوم وتعاني هذه الوجبات من شحتها كماً ونوعاً ، وعندما يأتي الجنود – السجانون - بالطعام يقومون بقرع باب الزنزانة، وعندئذ يتعين على المعتقل، حسب الإجراءات المتبعة، أن يغطي رأسه بكيس أسود وأن يستدير بوجهه إلى الحائط مرفوع اليدين.

 

ولا يسمح إلاّ للمعتقلين الذين انتهى التحقيق معهم، بالخروج مرة واحدة في اليوم في نزهة (  فورة ) لمدة ساعة في باحة داخلية ضيقة أرضيتها مكسوة بالرمال .

أما عن أساليب التعذيب المستخدمة مع المعتقلين خلال التحقيق فهي نفسها أساليب التعذيب المستخدمة في السجون الأخرى مثل استخدام العنف ضدهم بشكل متكرر كالضرب المبرح، الركل، الهز العنيف، الإجبار على الجلوس على كرسي بشكل مؤلم أو الوقوف غير المريح لفترات طويلة  ، والتحرش الجنسي والإغتصاب كما حصل مع الأسير اللبناني مصطفى الديراني ، وفي إفادة لأحد المعتقلين قال ( لقد عرض عليه رجال المخابرات صور لأفراد من عائلته وهددوه بإيذائهم إذا لم يتجاوب معهم ،  ويضيف : أحضروا لي صوراً لأبي وهو بثياب السجن وعرضوا فيلماً قصيراً يظهر أبي كأنه معتقل لديهم ، لقد هددوني بسجنه وبتعذيبه ) مثل هذه الممارسات وأسوأ منها تحدث بشكل مألوف ويومياً في هذا السجن.

 

ظروف قاسية وتعذيب أقسى وشعور بأنك منسي ولم تجد من تفّرغ له همومك ، ويزرعوا لديك شعور بالخوف المتواصل من الموت وأنه في أي وقت قد تقتل وتختفي للأبد دون أن يسأل عن أحد !! ، لأنه لا أحد أصلاً يعلم بمكان وجودك ، وقد يكون هناك بالفعل معتقلون فلسطينيون ولبنانيون إختفوا للأبد ، وهناك العديد من المعتقلين تنفي إسرائيل معرفتها بمصيرهم … كل هذه العوامل تجعل من الحياة قاسية وقاسية جداً داخل السجن الإسرائيليى السرى رقم 1391 " غوانتانامو الإسرائيلي " .

 

المراجع :

 ( غوانتانامو إسرائيل – عن صحيفة عالم السياسة ، فرنسا في تشرين ثاني 2003 م . الكاتب جوناثان كوك   )

 ( غوانتانامو الإسرائيلي – تقرير في هآرتس ، مذا يحدث خلف جدران معسكر الإعتقال رقم 1391 ؟ ، بتاريخ 25 / 8/ 2003 م . بقلم افيف لافي ).