القدس والتفسير الدستوري الدولي للقرار242 وتبعاته 
بقلم : المستشار حسن أحمد



ما إن احتلت إسرائيل القدس الشرقية في حرب عام1967, حتى سارعت إلى تغيير معالمها الجغرافية، وتعديل تركيبتها السكانية، وأعلنتها عاصمتها الأبدية، غير عابئة بالقوانين والقرارات الدولية، ومن عجب أنها تعلن ذلك بقالة تمسكها بهيكل سليمان المزعوم بحائط المبكي ـ البراق ـ المنهوب. ويكذبها في ذلك بخصوص الهيكل استمرارها في البحث والتنقيب طيلة فترة احتلالها للقدس والتي قاربت الثلاثة والثلاثين عاما و ما عثرت علي دليل ويفضحها في زعمها بشأن الحائط المنهوب حقيقة قرار لجنة التحكيم الدولية في عام‏1929‏ إلى أن ملكية الحائط وحق التصرف فيه وفي المناطق المجاورة له تخص المسلمين باعتبارها أملاك أوقاف إسلامية أوقفها الأفضل بن صلاح الدين الأيوبي في عام 1193 وأبو مدين في عام 1320, وأن الجانب اليهودي لم يدع أية ملكية للحائط أو لحي المغاربة أو لأي جزء من القطع المجاورة وإنما يطالب بحق امتياز لليهود بزيارة الحائط علي أساس التسامح العربي.

اليوم تزعم إسرائيل بأن القدس الموحدة عاصمتها الأبدية، أما بالأمس فقد كان هرتزل يؤكد للقاصد الرسولي اجلياري دي في فيينا في1896/5/19 علي أن القدس وبيت لحم والناصرة ستكون خارج حدود الدولة اليهودية المبتغاة والتي ستكون عاصمتها في الشمال، وتدعي فرية أن قرار مجلس الأمن242 لا يلزمها بالانسحاب منها متناسية أن مطلبها الأساسي للتفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية لإحلال السلام العادل والتوصل إلى مصالحة تاريخية كان في وجوب اعتراف المنظمة بحقها في الوجود في المنطقة، وفي قبولها لقراري مجلس الامن‏242‏ و 338.

تم في‏1993/9/13‏ توقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل متضمنا النص علي أن التسوية الدائمة بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي تقوم علي أساس القرارين242 و338 و أن مفاوضات الوضع الدائم ستؤدي إلى تطبيقهما وعلي أن ولاية السلطة الفلسطينية تغطي أرض الضفة الغربية وقطاع غزة باستثناء القضايا التي سيتم التفاوض عليها في مفاوضات الوضع الدائم وهي‏:‏ القدس، اللاجئين، الترتيبات الأمنية، الحدود وعلي أن فلسطينيي القدس الذين يعيشون فيها سيكون لهم الحق في المشاركة في العملية الانتخابية وفق يتم بين الطرفين.

وانتهت المرحلة الانتقالية من اتفاق أوسلو دون أن تفي إسرائيل بمعظم التزاماتها وحاولت الانتقال إلى مفاوضات الوضع الدائم لتفاوض علي بعض من مواضيعها ولتلغي أو لتؤجل إلى أجل غير مسمي مع البعض الآخر من مواضيعها، مثل موضوع جلاء قوات الاحتلال الإسرائيلية عن القدس الشرقية، وموضوع عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم تطبيقا لأحكام قرار الجمعية العامة‏194,‏ وقد رفض الفلسطينيون ذاك التراجع الإسرائيلي عن تنفيذ القرارين244 و338 باعتبارهما أساس التسوية الدائمة ومناط تطبيق أحكامها. وانه وللعمل علي الحد من المخادع التي تمرس المفاوض الإسرائيلي علي نهجها غير عابئ بحكم المادة49 من اتفاق فيينا الذي اعتبر قيام دولة ما علي حمل دولة متفاوضة أخري معها علي عقد معاهدة معها نتيجة ذاك السلوك المخادع سببا للدولة المخدوعة للاستظهار بوقوع التدليس كمبرر لإبطال موافقا علي الالتزام بالمعاهدة، ومتغاضيا عما جاء في ديباجة وفاق فيينا من أن تطبيق مبدأ القوة الملزمة للمعاهدة يتوقف علي مدي توفر مبدأي حسن النية وحرية الإرادة عند توقيعها

و عليه وجب التصدي لذلك السلوك المخادع في مسألة التفسير الإسرائيلي المخادع للقرار 242‏ خاصة يتعلق بوضع القدس الشرقية وذلك باستنهاض أحكام التفسير الدستوري الدولي للقرار‏242‏ اتفاقا مع أحكام وفاق فينيا بحسبه الدستور الإجرائي للمعاهدات والقرارات الدولية ـ 

وانسجاما مع أحكام ميثاق الأمم المتحدة ــ باعتباره الدستور الموضوعي لتلك القرارات ـ وذلك بتحديد مقاصده وفقا للمعاني العادية التي ينبغي إعطاؤها لتعابيره بحسب السياق الواردة فيه وفي ضوء موضوعه وغرضه لا أن نترك تفسيره لمفاوض مخادع جبل علي سوء النية والمقصد.

وبتطبيق ما ذكر علي ما ورد في القرار‏242‏ فيما يتعلق بمسألة تحديد مفهوم انسحاب القوات الإسرائيلية أهو من أقاليم احتلت أم من الأقاليم التي احتلت؟ نجد أن ديباجة القرار تنص صراحة علي تأكيد مجلس الأمن عدم جواز الاستيلاء علي أراضى الغير بطريق القوة، وهو تأكيد يتفق وحكم المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة علي نحو ما حرص القرار في مقدمته علي تأكيده أيضا بحسبان أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة قد تعهدت بالالتزام بالعمل وفقا لأحكامها. وعليه لا يجوز للقرار في بنوده أن يتضمن أحكاما تخالف تلك المقدمة وألا عدت تلك أحكام باطلة، وكذلك لا يجوز لأي طرف تفسير بنود القرار بما يخالف تلك الحقيقة، وآلا اعتبرت تلك التفسيرات فاسدة‏!‏ إذ كيف يسمح القرار لإسرائيل بالانسحاب من أقاليم أخري وما هو سند ذلك؟

إسرائيل ذهبت إلى أن القرار قصد ذلك فعلا وسندها أنها كانت في حرب‏ 1967 دفاعية وان القرار ينص علي حدود آمنة، وبعض من مذاهب كبار الفقهاء في القانون الدولي تذهب إلى منح الطرف المحارب في الحرب الدفاعية الحق في الاستيلاء علي كل أو جزء من الأراضي التي احتلها بسبب تلك الحرب الدفاعية، ومما يدل علي فساد التفسير الإسرائيلي انهب كبار الفقهاء وفقا لأحكام المادة‏38‏ من نظام محكمة العدل الدولية تعد المصدر الاحتياطي الأخير من مصادر القانون الدولي في حين أن الاتفاقيات الدولية العامة والخاصة التي تضع قواعد معترفا بها صراحة من جانب الدول المتنازعة ـ كميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جن لعام‏1949‏ تعد المصدر الأصلي الأول لذلك لا يتم التدرج إلى مذاهب كبار الفقهاء في التفسير ـ كما في التطبيق ـ إلا كمصدر احتياطي أخير ومن باب أولي لا يتم التدرج إليها مطلقا أن هي تعارضت والمصدر الأصلي الأول وعليه لا يكون لتلك المذاهب محل في نطاق تفسير النص القوني الدولي للقرار‏242,‏ مادام نص المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة بوصفه قاعدة دستورية دولية قد وضع حكما دستوريا دوليا عاما مؤداه عدم جواز الاستيلاء علي أراضى الغير عن طريق الحرب، ومن ثم وجب علي قوات الاحتلال الإسرائيلية الانسحاب من جميع الأقاليم العربية والفلسطينية التي احتلتها في عام‏1967‏ بما في ذلك القدس الشرقية خاصة أن تلك الأقاليم المحتلة تخضع لأحكام قاعدة دستورية دولية مكملة لميثاق الأمم المتحدة هي أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام‏1949‏ التي تفرض أحكامها علي جميع الأراضي والأقاليم المحتلة والقانون الدولي يؤكد صحة ما نقول:‏ فهذه هي المنظمة الدولية للطيران المدني تصدر قرارها رقم‏7/21‏ بتاريخ‏1974/10/15‏ بإلزام الدول الأعضاء فيها بالامتناع عن تشغيل أي رحلة جوية من أو إلى مطار قلدنيا في القدس نظرا لوقوعه ضمن الأراضي العربية المحتلة أي أنها لا تعترف بأي سيادة علي القدس وهذا مجلس الأمن في عام‏1992‏ يصدر قراره رقم‏799‏ بالإجماع ـ مؤكدا خضوع جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة بما في ذلك القدس الشريف لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة وكان ذلك بمناسبة تأكيده انتهاك إسرائيل لأحكام تلك الاتفاقية وقتما أبعدت عددا من الفلسطينيين من الأراضي المحتلة بما في ذلك القدس إلى مرج الزهور بلبنان، وأمرت إسرائيل بإعادتهم وانصاعت إسرائيل ونفذت القرار وتلك الجماعة الأوروبية في عام‏1999‏ تعلن عدم اعترافها بأي سيادة لإسرائيل علي القدس سواء كانت شرقية أم غربية. وأحسب أن ما تقوم به إسرائيل ليس هو تطبيق قرار مجلس الأمن وفقا للتفسير الدستوري الدولي علي نحو ما ذكرنا حتى وان كان يكلفها الانسحاب من جميع الأراضي العربية التي احتلتها في عام‏1967,‏ بما في ذلك القدس الشرقية فهاهي تتخلى عن الجنوب اللبناني ونهر الليطاني في عام‏2000,‏ بالرغم م أطماعها فيهما كانت تعود إلى عام‏1919‏ وفقا لما ورد في خطاب حاييم وايزمان إلى لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا وقتذاك، وأكدت تلك الأطماع في عام‏1949‏ علي نحو ما أثبتته لجنة التوفيق الدولية المشكلة بموجب القرار‏194‏ لتنفيذ مقتضاه بإعادة اللاجئين الفلسطينيين إلي ديارهم

ما تخشاه إسرائيل حقيقة ليس هو التفسير الدستوري الدولي للقرار‏242,‏ و إنما التداعيات القانونية لذاك التفسير فتفسير القرار‏242‏ لا يتوقف عند تطبيق مبدأ حسن النية للتوصل إلى المعاني العادية التي ينبغي إعطاؤها لـتعابير القرار الدولي حسب السياق وفي ضوء موضوع القرار وغرضه، و إنما يمتد ـ 

وفقا لصريح نص المادة‏31‏ من وفاق فيينا ـ إلى أي قواعد من قواعد القانون الدولي تكون ذات صلة بموضوع نص القرار تنطبق في العلاقات فيما بين الأطراف وهنا في العلاقة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي تظهر مع قرارات ذات صلة تتعلق بقواعد القانون الدولي مثال ذلك القراران‏181‏ لعام‏1947‏ بشأن تقسيم فلسطين و‏194‏ لعام‏1949‏ بخصوص عودة اللاجئين الفلسطينيين إضافة إلى القرار‏273‏ بقبول إسرائيل عضوا في الأمم المتحدة شريطة تنفيذها للقرارين المذكورين واحترامها للأمم المتحدة ومن ثم وجب إدراج تلك القرارات في سياق تفسير نص القرار‏242‏ مما مؤداه أن يسترجع الفلسطينيون أراضيهم المحتلة منذ عام‏1948‏ وفقا لحدود قرار التقسيم‏181‏ وكذلك يستعيدون القدس بشقيها الشرقي والغربي أيضا اتفاقا وقرارات مجلس الوصاية.

أن ما يؤرق إسرائيل أيضا هو أن تماديها في تجاهل القرار‏181‏ أو إلغائه من الناحية القانونية يؤدي إلى حصر حق اليهود في فلسطين من الحصول علي دولة يهودية بسند القرار‏181‏ إلى الحق في حصول اليهود في فلسطين إبان عهد الانتداب البريطاني علي الجنسية الفلسطينية طبقا لحكم المادة السابعة من صك الانتداب.

تلك الخشية الإسرائيلية من التداعيات القانونية للتفسير الدستوري الدولي للقرار‏242‏ يمكن لنا أن ندركها إن أدركنا سبب قيام الياكيم روبنشتاين المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية أخيرا بنشر مقال في الصحف الاسرآئيلية يزعم فيه أن القرار‏242‏ الذي يدعو إسرائيلي الانسحاب من أراض احتلتها خلال حرب‏1967‏ ومن بينها الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، لا ينطبق علي الأراضي الفلسطينية مادام أن الكيان الفلسطيني الذي تأسس عام‏1994‏ ـ يقصد السلطة الفلسطينية ـ لم يكن قائما وقتما صدر القرار‏242‏ سنة‏1967,‏ وهو زعم أن الفلسطيني الذي يفاوض إسرائيل ليس هو السلطة الفلسطينية و إنما هو منظمة التحرير الفلسطينية الامتداد القانوني لحكومة عموم فلسطين بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والتي كانت قائمة في عام‏1967‏ بل وقبل عام‏1967,‏ وهي المنظمة التي منح رئيسها الفلسطيني ياسر عرفات إسرائيل الحق في الوجود في المنطقة وفي اتفاق القاهرة الموقع في‏1994/5/4‏ بعنوان اتفاقية قطاع غزة ومنطقة أريحا نص صراحة علي أنها أبرمت بين منظمة التحرير الفلسطينية الممثلة للشعب الفلسطيني و بين حكومة دولة إسرائيل، وعلي تأكيد أن مفاوضات الوضع النهائي سوف تؤدي إلى تطبيق قراري مجلس الامن‏242‏ و338 وأجزم بأن مثل هذه الفقاعات الإعلامية لروبنشتاين أو غيره لا هدف لإسرائيل من ورائها سوي محاولة لجعل الفلسطينيين يتشبثون بتطبيق القرار‏242‏ وفقا للتفسير الإسرائيلي الفاسد، حتى تتمكن من تعديل الحدود الفلسطينية اليهودية واستلاب القدس الشرقية بعد أن استلبت القدس الغربية، وتنجو من تطبيق التفسير الدستوري القانوني الدولي وتداعياته القانونية علي نحو ما بينا بيد أن عالم اليوم بشبكة معلوماته وقنواته الفضائية لن يمكنها من ذلك‏ .