|
|
متحف أبو جهاد لشؤون الحركة الاسيرة في جامعة القدس
مسيرة من الالام في عناق شعار الحرية العالمي
بقلم : عكرمة ثابت
28نوفمبر 2007
تتباهى الشعوب التي حررت نفسها وأعلنت إستقلال أوطانها وشيدت مؤسساتها بتضحيات وبطولات أبنائها الذين ناضلوا وضحوا وقضوا من أجل الحرية والكرامة ، وفي أبسط الحالات يتم تكريم هؤلاء من خلال إقامة النصب التذكارية لهم أو بتوثيق تاريخهم البطولي وتجسيد نضالاتهم بدلالات ومجسمات وأفلام تعرض في المراكز والمتاحف ودورالعرض والمسارح وغيرها ... وهنا لن أتحدث عن بانوراما 6 أكتوبر ولا عن المتاحف القومية أو النصب التذكارية للجندي المجهول ولا حتى عن الكارثة والبطولة !!!
الحديث هنا عن متحف فلسطيني الهوية والانتماء والمعاناة ... متحف بفكرته الوطنية والانسانية يحاكي كل المتاحف سالفة الذكر وتلك التي تعتبر محطات بارزة ومعالم ساطعة في تاريخ الدول والشعوب ... متحف بأهدافه النبيلة يجسد رحلة التحدي والصمود والتضحية ويبرز بشفافية مطلقة الدور النضالي والبطولي للحركة الاسيرة في السجون والمعتقلات الاسرائيلية ... متحف أبو جهاد لشؤون الحركة الاسيرة ورغم إمكانياته المتواضعة والدعم المحدود له ، إلا أنه إستطاع وبجهود القائمين عليه أن يضيء عتمة الزانزين والاقبية المظلمة والحواجز الأسمنتية التي طالما طوقت سواعد وأجساد الفلسطينيين رجالا ونساءا ليذوقوا فيها ما كتب لهم من أصناف العذاب والقهروالحرمان ... إنه دلالة القهر والجبروت في أن واحد وهو دلالة القوة والارادة وعظم المعاناة بالصبروالصمود ... أنه دلالة العبقرية والوعي الكامل والفن الحاذق والابداع الادبي المذهل ... إنه إنتصار المعصم على القيد وإنكسار الفولاذ بقوة الصبر والثبات على المبدأ .
وفي الوقت الذي يلتهم فيه جدار الفصل العنصري مساحات شاسعة من أراضي مدينة القدس وضواحيها وقراها ويلتف على خاصرة بلدة أبو ديس وجامعتها الشامخة ، يصر متحف أبو جهاد إلا ان يكون الخنجر المغروس في صدر التهويد والحصار والجدار ... فهو من بدايات التأسيس التي أرسى دعائمها كلا من :- إبن القدس البار رئيس جامعة القدس الدكتور سري نسيبه والاسير المحرر المناضل فهد أبو الحاج ، إقترنت ولادته العسيرة بمسيرة الالام للسيد المسيح ( الاسير الاول على أرض فلسطين ) ، وإلتصقت معالم الشموخ والصمود فيه بصمود أسوار القدس وشموخ أزقتها وجدرانها القديمه ، فالخطوة الاولى في الدخول إلى متحف أبو جهاد تبدأ بطريق الالام المزينة بالورد والصّبار عن اليمين واليسار ، يعبرها الزائر ليقف أمام سور مرتفع يجسد صورة الحصار والجدار يتوسطة باب من القضبان الفولاذية يفتح على غرفة كبيرة معتمة تنبعث منها روائح التحقيق والتعذيب بأصناف لا تعد ولا تحصى داخل مبنى تربع على ستة أعمدة حمراء معمدة بالدم ، لكنه أبى إلا أن يحتضن شعار الحرية العالمي بين ضلوعه المستمدة من أسوار القدس العتيقة ويظلله بأمتداد شجرة الكينا التي تضاهي بصبرها وصمودها صبر وصمود نخلة سجن عسقلان المركزي !!! .
وأثناء تجولك داخل مبنى المتحف ، تشدك من كل الاتجاهات عشرات الصور والبوسترات والادوات والمقالات والشعارات التي تجسد معاناة الاسرى إبتداءا من السنوات الاولى للاحتلال ومنذ اللحظات الاولى لعمليات الاعتقال ، تنبهر أنظارك من وقع الكلمات والرسومات التي خطها الاسرى أنفسهم من وحي المعاناة والقهر وجميعها تروي حكاية شعب منتفض يسعى للحرية والاستقلال ... شعب تحت السياط ينشد ويغني :
سأحفر على جدار المعتقل في عتمة الليل الرهيب
لـن تقتـــلوا في الأمل لن أبقى في وطني غريب
ولمن نالوا شرف القيد والمعتقل ، فأنهم حتما سيعيدون الذاكرة إلى حياة السجن والاعتقال بكل تفاصيلها المؤلمة إبتداءا من أدوات الطعام ومرورا بالتقشف والحرمان وإنتهاءا بالاضرابات والاستنفارات وسنوات الغليان !!! وقد تمتد بهم الذاكرة إلى سنوات السجون في الفترة ما بين 1917- 1948 خاصة بعد أن يمروا من امام المشنقة التي علقت عليها هامات الابطال فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير وفرحان السعدي وحسن حسونه وعلي شاهين وغيرهم .
وعلى الرغم من المشاهد المؤلمة والتفاصيل المحزنة وفور مشاهدتك القصيرة لوقائع فيلم مصور عن النضال والصمود الفلسطيني ، وبمجرد تصفحك السريع لمقتنيات مكتبة الحركة الاسيرة وأعمالها اليدوية ، تدرك بشكل قاطع أن هذا الشعب حي لا يموت وأنه لا ياس من إشراقة يوم جديد وأن الحرية قادمة لا محال ، وأن إبداعات وتصاميم باسم جاغوب وسماح العسيلي وبشار الحروب وإبداعات وإنجازات الاسرى لن تذهب سدى .
لكنك قبل أن تغادر لا بد أن تتساءل :- لماذا لا تقوم الجهات الرسمية والمؤسسات المختصة بدعم وتمويل هذا الصرح الشامخ ؟!! لماذا لا تسعى السلطة الوطنية ورئاستها وحكومتها إلى تطوير هذا المركز ليكون معلما وصرحا وطنيا نتباهى فيه بين الامم والشعوب ؟!!