لقاء مع والدة الأسـير العربـي

سمير القنطار

لا تريد أن تصدق أنه تجاوز الأربعين من العمر

أم سمير  : هل سأحظى يا ولدي بفرصة عناقك قبل أن أغادر هذا العالم ؟

 

 

والدتنا الغالية : قرأنا لك الكثير وقرأنا عنكم وعن سمير أكثر ومع كل قراءة جديدة يزداد حبنا وإحترامنا لكم ... فكل ما يتعلق بكم وبسمير يثير لدينا مشاعر الفخر والإعتزاز ، واليوم نبحث عن ما لم نقرأؤه بعد ، نبحث عن أشياء لم تكتب بعد ، نبحث عن جزيئات نتمنى أن نسمعها منك ولنُسمِعُها بدورنا للقارئ المتتبع لقضيتكم والمتلهف لسماع أخباركم .... وبداية إسمحي لنا أن ننحي لنقبل يداك الطاهرة ولنمسح دموعك المنهمرة ولننقل لك تحياتنا الحارة في جمعية الأسرى والمحررين " حسام " وإطارها الشبابي منظمة أنصار الأسرى .

والدتنا أم سمير ... حدثينا عن الأسرة وعن سمير وكيف كان آخر لقاء بينكما وهل كنت تعلمين أو تشعرين بأنه ذاهب إلى حيث ذهب ؟؟ وما هو شعورك حينما علمت بإعتقاله ؟؟

ولد سمير القنطار عام 1962 في بلدة عبيه وهي بلدة ذات موقع إستراتيجي هام يشرف على العاصمة بيروت، وتلقى علومه الأولى في مدارس البلدة وتميز منذ صغره بالشجاعة ، وكان كثير الحركة لا يهدأ ولا يعرف الإستقرار  في البيت ودائم الحركة والنشاط مع رفاق السلاح إبان الثورة الفلسطينية في ربوع لبنان وكانت تربطه علاقات واسعة مع الجيران ومع شباب المقاومة ، وقبل أن يتجاوز السادسة عشر من عمره وفي يناير 1978م  حاول القيام بعملية عسكرية ضد العدو الإسرائيلي عن طريق الحدود الأردنية في منطقة بيسان وإعتقل هناك آنذاك لمدة سنة أطلق سراحه في نهاية نفس العام ،  أما بالنسبة لي لا يمكنني ان أتخيل سمير إلاّ ذلك الفتى المبتسم دائماً والمرح دائماً ... يحب أخوته ويلاعبهم و يمازحهم ، ويعلم شقيقاته الأغاني الثورية ويخبرهم ويحدثهم عن التاريخ العربي الأصيل وعن فلسطين المحتلة  والقضية والثورة .

 سمير برأيي كان ولا يزال مشروع شهيد ، فلقد كتب ذلك تحت إحدى صوره وهو طفل في  الثالثة عشر من عمره ، وهو اليوم لا يزال شهيد حي مع أخوته ورفاقه خلف أقبية الموت وسجون القهر الصهيوني.

ومنذ اللحظة الأولى لإعتقاله كنت وما زلت صابرة منتظرة فخورة بسمير البطل ، سمير الذي يرافقني طيفه في قهوة الصباح ، في الفرح والحزن، في العيد والمناسبات ، و لا يمكن لي أن أتخيله إلا كما أنا أريد، ففي نظري هو لا زال فتى مرح مبتسم طائش كثير الحركة ، لا أريد أن اصدق أنه أصبح في الأربعين من العمر.

ربع قرن مضت وهو خلف الاسر .. هل زرتيه أو إلتقيت به خلال هذه السنوات الطويلة أو سمعتي صوته ؟؟ وهل تلقيت منه أية رسائل ؟

في العديد من المرات كان يغيب سمير عن البيت ليوم أو لعدة أيام ومن ثم يعود ، ولكن هذه المرة الأمر مختف تماماً ، فعندما غادر سمير المنزل ليلة 20 نيسان عام 1979 ذهب الى أخوته النائمين مودعاً إياهم بقبلاته ، قلت له متى ستعود يا سمير ؟ نظر إلىّ مبتسماً  " هذه المرة ليومين فقط "، في تلك اللحظة ورغم أنني أحسست جيداً أنه سيتأخر أكثر من يومين بكثير إلا أنني لم اتخيل للحظة أنه سغيب لربع قرن من الزمن وما يزيد ، ولا زلت أنتظر عودته !!

وطوال هذه السنوات لم يسمح لنا بزيارته ورؤيته أبداً ، لقد سمعت صوته من خلال أشرطة الكاسيت التي أرسلها ، ورأيته من خلال الصور وقرأت كلماته من خلال رسائله ، وهو دائماً يخبرنا عن أن معنوياته عالية و صحته جيدة وأنه ليس نادم على شيء وأنه يأمل أن يجتمع شملنا في الأيام القادمة ، ودائماً يمنحنا جرعات جديدة من الأمل والتفاؤل .

 

يقولون بأن لسمير والدة فلسطينية بالتبني تزوره وتتابعه هل أنت على إتصال بها ؟

 انا أشعر أن لسمير الكثير من الأمهات ، ولكن والدة سمير بالتبني هى رمز ومفخرة لكل نساء فلسطين والعالم ، وهي أم جبر وشاح هذه المرأة الفلسطينية المثال التي لا تتخلى عن من أتى من البعيد دفاعاً عن أرض الأجداد، فلأم جبر وعائلتها جميعاً ولأمهات الأسرى الفلسطينين والعرب و للأسيرات الفلسطينيات أقول : أنتن عبق زهر الليمون الآتي من هناك أنتن أحلى الأمهات وأغلى الأمهات. 

-   ما هو شعورك حينما نفذت صفقة حزب الله وعاد الأسرى البنانيين الأبطال لبيوتهم دون سمير ؟؟ وهل تلقيتم ضمانات أكيدة من القائد حسن نصرالله لأن تشمل المرحلة الثانية الإفراج عن سمير ومتى سيتم ذلك ؟؟

 شعرت بالفرح الكبير حين رأيت امهات الأسرى يعانقن أبنائهن إنه شعور لطالما حلمت به لسنوات طوال، كان المشهد رائع بإنسانيته وبمضمونه، عائلات الأسرى في لبنان وفلسطين دائماً متضامنه فيما بينها على عكس عائلات الأسرى الصهاينة وهذا مرتبط بعقيدتنا وإيماننا أننا أصحاب حق ندافع عن المظلوم ونكره الظلم ونقاومه أينما وجد.

وأنني على كامل الثقة بأن المقاومة وقائدها سماحة السيد حسن نصر الله سيعيد لي سمير إن شاء الله ، حيث أن إعلان حزب الله أن قضية سمير القنطار هي قضية حزب الله المركزية هو موقف يدل على البعد الوطني والقومي الذي يمتاز به هذا الحزب، ونقدره كل التقدير، لأنه كلام الأوفياء للعهد والباقون على درب المقاومة ، كلام الذين لا يتركون أبطالهم عرضة للظلم وللقهر وللسجن ، هو كلام الشعب وكلام الأمة وكذلك كلام المقاومة التي تعرف ماذا تريد.

أن الأمل بالمقاومة  كبير من أجل حرية أحبتنا كل الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية وبكسر شوكة الاحتلال الصهيوني وبعودة الأسرى منتصرين ، حاملين تجاربهم الجديدة وأفكارهم الوطنية والقومية الأصيلة، متمسكين بالثورة المستمرة وبنهج المقاومة من أجل حرية الوطن وتحرير فلسطين وما تبقى تحت الاحتلال من أراضٍ عربية.

 في الختام ماذا تقولين لسمير ولكافة الأسرى في السجون الإسرائيلية  ؟

سمير ترى هل رحلة الإنتظار ستنتهي يا ولدي الحبيب ؟ هل سأحظى بفرصة عناقك قبل أن أغادر هذا العالم ؟ أنا متفائلة ... متفائلة بصلابتك التي لن تلين أمام سجانيك ، متفائلة بالمقاومة وقائدها الذي أشعر في نظرة عينيه كل الثقة والإيمان والعزيمة والإرادة وبأنه  سيعيدك إليّ مرفوع الرأس.

اما أنتن يا أمهات لبنان وفلسطين والعالم العربي والإسلامي فأنتن تعرفن ان سمير منذ ان غادر شاطئ صور إلى فلسطين قد أصبح إبنكن وليس أبني ، وأنا واثقة أن سمير يسكن في قلوب الكثير من الأمهات ، في قلوبكم جميعاً . 

فباسم اللواتي اكتوينا بنار اللوعة والفراق ،باسم الأمهات اللواتي ينتظرن كل ثانية ودقيقة طلة الأبطال خلف أبواب شوقهن.

باسم الأمهات اللواتي ينتظرن فلذات أكبادهم محررين من سجون الاحتلال.

لنطلق صرخة مدوية، مطالبين العالم باستعادة أسرانا،

أدعوكم جميعا إلى الوقوف مع من ذابوا في المعتقلات الإسرائيلية دفاعاً عن الوطن ومن أجل تحريره من الاحتلال الإسرائيلي ، وأحييكم جميعاً ، أحيي وزير الأسرى وجميعة حسام ومنظمة أنصار الأسرى على وفائكم لقضية الأسرى وعلى جهودهم الكبيرة نصرةً لهؤلاء الأبطال .

اما أنت يا سمير ، فستعود رغم أنف الأعداء... ستعود، فأنت الآن أكثر حرية منا جميعاً  فصبر يا ولدي الحبيب .     

 

مجلـة فجـر الحريـة

جمعية الأسرى والمحررين

غزة – فلسطين

15/7 /2004م