الأسـرى.. وضريبة المشاعر !
بقلم : د.عدنان جابر
أن تكون شهيداً، جريحاً، أسيراً، مطارداً، هذه أشكال من ضريبة النضال، على المناضلين أن يدفعوها عن طيب خاطر، ما داموا يؤمنون بقضية، ويتقبلون ثمن السير على الدرب . لكن ثمة ضريبة خاصة وقاسية يمكن تسميتها: ضريبة المشاعر!
آباء وأمهات أسرى وراء القضبان، وأولادهم لا يعرفون الحنان. أو أولاد أسرى وراء القضبان، وآباؤهم وأمهاتهم يطاردون وراءهم في كل مكان، وينتظرون الفرج لهم في كل آن.
أحلام صعبة وغالية: زيارة الأسير أو الأسيرة حلم، القبلة حلم، لمس اليد حلم، الاحتضان حلم، هدية العيد حلم، البقاء مع الأم حلم، جمع الشمل حلم..
أحلامٌ ليست أحلاماً لدى آباء وأمهات وأطفال آخرين في بلدان عديدة في هذا العالم. أما في فلسطين، وفي البلدان المكتوية بنار الاحتلال وقسوة الجلادين، فالأمر مختلف: ماذا أن يعانق والدٌ ولدَه أو ابنته، ماذا أن تحضن أمٌّ ولدَها أو ابنتها ؟!
أمور إنسانية،بسيطة، طبيعية، غدت لدينا أحلاماً كبيرة، غالية الثمن.
أفراحنا صعبة، أو مؤجلة: مكتوب علينا أن ندفع ضريبة المشاعر!
1- لماذا رفضتني طفلتي ؟!
"لم أكن أتصور أن طفلتي (بتول) الصغيرة لا تتقبلني وترفضني وتحاول الابتعاد عني. لقد شعرت بعذاب عندما رفضتني إلا أنني استوعبت هذه الحادثة، لأنها جاءت إلى هذه الحياة بينما أنا خلف القضبان ".
هذا ما قاله الأسير محمد سلامه من قلقيلية، بعد أن قضى أكثر من 22 شهرا في الاعتقال الإداري في سجن النقب الصحراوي.
الأبناء يرفضون الآباء باعتبارهم غرباء عنهم. الأسير محمد اعتقل أثناء توجهه إلى العمرة بينما لم يمض على زواجه سوى بضعة أشهر، طفلته كبرت دون أن تشعر بحنان والدها الأسير.
قال الأب الذي خاض معركة المشاعر: "نصحني احد المهنئين بشراء ألعاب بقيمة ألف شيقل من أجل أن تتقبلني طفلتي وكي لا تبكي عند الاقتراب مني".
دراسة فلسطينية صادرة عن برنامج الدعم النفسي في غزة أوضحت أن 30% من الأطفال الفلسطينيين يحتاجون إلى تأهيل نفسي بسبب إجراءات الاحتلال على الأرض، والمتضمنة اعتقال الآباء وحرمانهم من رؤية أطفالهم الصغار، وبسبب مظاهر التدمير وسياسة الاغتيالات وملاحقة المدنيين بالصواريخ، والمشاهد التلفزيونية التي تنقل هذه الأجواء المرعبة.
2- بابا ينام في التلفون !
الطفلة رنا كاظم القصراوي، من مدينة الخليل، تتحدث عنها والدتها وتقول:" زوجي كاظم معتقل إدارياً في سجن عوفر غرب رام الله، وطفلتي رنا في الزيارة الأخيرة كانت تتمنى أن تقترب المسافة بينها وبينه وهو في الجهة الأخرى حيث تفصل بينهما طبقتين من الشبك المقوى وذلك بهدف أن تمس يدها يد والدها الأسير".
وأضافت الزوجة: "في فترة سابقة عندما كان زوجي يقضي حكمه في سجن مجدو قبل عدة سنوات، كان يتصل بنا بشكل يومي، وكانت طفلتي رنا صغيرة جدا، وبعد انتهاء المكالمة تضع الهاتف النقال في الجارور وتقول :هذا بابا يريد أن ينام في الجارور، وعندما كنت أوضح لها أن بابا في السجن ويتصل بنا، كانت الطفلة رنا تبادرني بالإجابة : بابا داخل البلفون بيقول آلو ويريد أن ينام".
وتقول الأم المعذبة: "كانت الطفلة رنا تعتبر الهاتف النقال والدها يتحدث معها، وبعد الانتهاء من المكالمة تحافظ عليه كأنه والدها، كي يتصل بها لاحقا".
3- عطاف عليان تحتضن ابنتها عائشة!
بعد إضراب استمر 16 يوماً على التوالي تمكنت الأسيرة عطاف عليان في سجن الرملة من رؤية ابنتها الرضيعة عائشة (14شهراً).
تقدمت الأسيرة عليان بطلب إلى المحكمة العليا الإسرائيلية ، كي تتمكن من جلب ابنتها إلى السجن لتقوم برعايتها، رغم ظروف الاعتقال القاسية.
تم نقل الطفلة عائشة ابنة الأسير المحرر وليد الهودلي مدير مركز بيت المقدس للأدب، إلى أمها في سجن الرملة، من خلال محامية مؤسسة "مانديلا" بثينة دقماق.
وليد الهودلي زوج عطاف ووالد عائشة عاش وحيداً في منزله في ظل غياب قسري لعزيزتين على قلبه.
عطاف عليان تحررت من الأسر عام 1996 بعد أن أمضت عشر سنوات من عمرها خلف القضبان لتعود إلى سجون الاحتلال مرة أخرى عام 1998 ويفرج عنها بعد الإضراب عن الطعام، لتعود ثانية إلى نفس المكان عام 2005.
يقول زوجها وليد الهودلي وهو أسير محرر أمضى في سجون الاحتلال ما لا يقل عن 12 سنة: "إنهم يحاربونني من خلال حرماني من أغلى ما أملك، ابنتي وزوجتي، يحرمون أطفالنا من ممارسة طفولتهم البريئة. إنها حرب عجيبة جداً، نتعرض فيها لسطوتهم الغاشمة".
4- وليد الهودلي يستلم ابنته عائشة!
في الوقت الذي ينشغل فيه غالبية المواطنين في ترتيب زيارات أقاربهم في عيد الفطر السعيد، انشغل المواطن وليد الهودلي في متابعة حصوله على تصريح يسمح له بالوصول إلى سجن تلموند الإسرائيلي لتسلم ابنته الصغيرة "عائشة" التي تجاوز عمرها العامين لتكون مجبرة على الانفصال عن أمها الأسيرة عطاف عليان تطبيقا للقانون الإسرائيلي الذي لا يجيز استمرار حجز الطفل مع أمه بعد تجاوز عمره السنتين.
الهودلي انتظر صدور التصريح كي يحضر ابنته من سجن تلموند بعد أن طلبوا منه تسلمها من أمام بوابة السجن.
الهودلي الذي بدت عليه ملامح التعب والإرهاق، قال:"الناس مع حلول العيد لهم برنامجهم الخاص حيث يتوجهون لمقابر الشهداء وعائلات الأسرى والجرحى للتعبير عن تضامنهم معهم، اما أنا فعيدي سيكون أمام السجن لاستلام ابنتي عائشة".
وليد الهودلي مناضل زوج مناضلة، أسير سابق زوج أسيرة سابقة ـ راهنة، أسيرة مخضرمة، قضت ثلث عمرها في السجون الصهيونية حتى الآن، وتم تمديد الاعتقال الإداري لها للمرة الثالثة.
قال وليد الهودلي، وهو من أنشط الذين كتبوا في أدب السجون: هناك أسرى أمضوا 60 عيداً داخل سجون الاحتلال !
5- كارولين وكارين لا تفهمان القضبان !
تعشق الطفلة كارولين أحلام المنام الوردية التي تمكنها بحسب اعتقادها من رؤية ومحاكاة والدها عاطف محمود عواد الوريدات المحكوم بالسجن لمدة أحد عشر عاماً.
وتشعر الطفلة كارولين (7 أعوام) وشقيقتها كارين (4 أعوام) نجلتي المعتقل "الوريدات" بالحزن الشديد وألم الفراق لاستمرار ابتعاد والدهن عنهن، وعدم قدرتهن على لمس وجنتيه أو الظفر بقبلة الأبوة الحنونة والدافئة.
ابتسام الوريدات زوجة المعتقل قالت بأنها ونجلتيها يشعرن بالوحدة والفرقة، والقلق ينتابهن دوما على صحة "عاطف" المتدهورة الذي يعاني من أمراض القلب والضغط والسكري، وهو بحاجة لتناول نحو عشرين حبة دواء يومياً، لكي يتمكن من الاستمرار واقفا ونابضاً بالحياة والحيوية.
تقول الزوجة: "هناك مشكلة أواجهها تتمثل في شعور كلٍّ من (كارولين وكارين) بنوع من الغيرة من بنات أعمامهن اللواتي يتمتعن بأحضان وحنان آبائهن، ويتساءلن:" لماذا والدهن بجانبهن أما نحن فلا ؟؟!!، وعندها أشعر بكآبة شديدة وعجز عن إجابتهن وتبرير سبب وجود والدهن في المعتقل، لعدم قدرتهن الكاملة على فهم سبب اعتقاله ومقاومته للاحتلال، وحتى عندما تزورانه في سجن "عسقلان" لا يفهمن ما الذي يمنع والدهن من العودة معهن، بالرغم من رؤيته من خلف الشبك والقضبان فقط".
وتمضي الطفلتان أوقاتاً طويلة في الإمساك بصورة والدهن "عاطف" بأيديهن الطرية وتقبيلها ومحاكاتها، وطرح الأسئلة الطفولية المتكررة عليها ولكن دون جدوى، ودون جواب، ليرتسم الحزن والقلق والوحدة على وجوههن وفي نفوسهن، والبكاء والحسرة في عيون وقلب والدتهن ابتسام.
6- جمانا عمرها 5 سنوات.. مرفوضة أمنياً!
الطفلة جمانا علاء أبو جزر مرفوضة أمنياً ، لماذا ؟
"أنا كنت رايحة أزور بابا " علاء " في سجن نفحة عند اليهود ، فرجَّعني اليهودي عايز هوية مني، وأنا بنت صغيرة، من وين أجيب هوية" !
هكذا تحدثت الطفلة جمانا( 5 أعوام) التي تسكن مع جدتها في حي الجنينة برفح جنوب قطاع غزة ، الذي أعتقل والدها على خلفية نشاطه السياسي والعسكري في انتفاضة الأقصى وحكمت عليه المحكمة الإسرائيلية بالسجن 17 عاماً.
قالت الطفلة جمانا: " كل الناس لهم بابا ويعيش معهم إلا أنا لا يوجد لي أب، لأنه بالسجن، حرمني اليهود منه".
منذ ولادتها لم ترَ جمانا وجه والدها قط، وتقول: " نفسي بابا يطلع ويأخذني في حضنه كل يوم مثل أطفال العالم".
والدة الأسير علاء ، جدة جمانا، مريم رمضان أبو جزر ( 65 عاماً ) تعاني من عدة أمراض مزمنة منها القلب والضغط والسكر، إلا أنها وهبت نفسها وحياتها لتربية الطفلة جمانا التي فقدت أيضاً حنان الأم بعد وفاتها وجمانا لم تزل طفلة لم يتجاوز عمرها بضعة شهور.
قالت الجدة: "زوجة ابني توفيت وتركت طفلتها الوحيدة لي ، ففقدت هذه الطفلة حنان الأم وحرمت من رؤية الأب..حسبي الله ونعم الوكيل".
تسقط دموع حرّى من عيني الجدة، تجففها بطرف منديلها الأبيض، وتقول: " لقد أصبحت حفيدتي كل حياتي، نَصْحوا من نومنا مبكراً فأجهز طلباتها وملابسها, وتذهب إلى روضتها القريبة من البيت" .
نحن شعب التضحيات، هذا صحيح، لكننا كذلك شعب المعاناة والحرمان والأسى، و "الأسى ما بينتسا".. يا ظالم لك يوم، مهما طال اليوم !
7- بعد 30 سنة يا سعيد !
بعد 30 سنة، بعد 60 عيد، بعد أن كان عمرها 46 سنة وأصبح عمرها 76 سنة، بعد أن كان عمره 25 عاماً في نابلس جبل النار، واحتفل في سجن عسقلان بعيد ميلاده الخامس والخمسين، بعد 30 سنة، سنة تنطح سنة، تمكنت الأم الفلسطينية أم سعيد العتبة من احتضان وتقبيل ابنها الأسير سعيد العتبة (أبو الحكم) .
سعيد وجيه العتبة هو الآن أقدم أسير فلسطيني وعربي في سجون الاحتلال الصهيوني (معتقل منذ 29- 7-1977)، لقبه (أبو الحكم) لكن لا يوجد "حكم" ولا ما يحزنون لأنه لم يتزوج، وأنا كأسير سابق ومعي كل الأسرى السابقين الذين كان لهم أمهات ورحلن أو لهم أمهات باقيات على قيد الحياة ومقهورات، نحن الأسرى السابقين المتواجدين في سجن كبير يسمونه (دنيا!) نتمنى للأسير سعيد العتبة ولجميع الأسرى الفلسطينيين، وكذلك لجميع الأسرى العرب في سجون الاحتلال وعلى رأسهم الأسير العربي اللبناني المناضل سمير القنطار أقدم أسير عربي (معتقل منذ 22 نيسان 1979)، نتمنى لهم جميعاً الفرج القريب والعاجل، سواء بعملية تبادل يتم بموجبها إطلاق سراح بني آدم واحد اسمه جلعاد شاليط مقابل إطلاق سراح 10400 بني آدم وبنات حواء من الأسرى الكبار والصغار (الأطفال) الذين لا تتسع الصفحات لتسطير أسمائهم، أو بعملية أشرف وأكرم لا يعرف كيفية حصولها وموعد حدوثها إلا الله، يتم بموجبها إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين والعرب جميعاً مقابل إطلاق "شلوط" على الاحتلال، وأن تتمكن أم سعيد العتبة، قبل أن تتخطى عتبة الدنيا وتعبر بوابة الآخرة، من أن تفرح بتحرير سعيد من الأسر وتتمكن من أن تخطب لسعيد فتاة جميلة أو عانساً حكيمة تقبل بشيبته، بعد أن احترق شبابه في السجون .. خدمة للقضية !
فهل ستفرح أمهات الأسرى والأسيرات بتحرير أبنائهن وبناتهن، وهل سيأتي لسعيد العتبة طفلٌ جميل، ولأم سعيد العتبة حفيدٌ " أزعر" يمشي في نابلس القديمة وهو يخبط برجليه ويقول: على الأرض يا حَكَمْ ؟!
* كاتب فلسطيني ، أسير سابق ومبعد، يقيم في دمشق 5 مايو 2007