الوفاء     !

  "إلى روح الأسير السابق: الشهيد إسماعيل دبج  "

 الأسير السابق الشهيد اسماعيل الدبج  الأسير السابق الكاتب د.عدنان جابر

 

    

* بقلم: د.عدنان جابر

13 ديسمبر 2007

 

    قررتُ أن أزور قبرك في مخيم اليرموك قبل أن أكتب هذه الكلمات. كان الوقت ليلاً، سألني حارس المقبرة : إلى أين؟ قلت: أريد زيارة قبر. قال: تفضل، ولكن لا تُطِلْ.

    لاحظت أنه لم يكن أحد غيري في المقبرة. أقصد لم يكن أحد غيري من الأحياء، الذين يسمونهم.. أحياء!

    نحن لا ندرك مقدار الوهم الرابض في هذه القسمة: من هم فوق التراب أحياء، ومن هم تحت التراب أموات. من قال ذلك؟!

    من له حياة سخيفة، هل هو حي؟! من حياته بلا معنى، هل هو حي؟! من حياته خواء في خواء، هل هو حي؟! من يعيش في الزيف والكذب والنفاق، هل هو حي؟! من يعيش في الفساد، هل هو حي؟!

    ومن هو تحت التراب ويذكره الناس بالخير، هل هو ميت؟! من رحل جسداً وروحه بيننا، هل هو ميت؟! من لم يعد له كرسي في مجالسنا وجلساتنا وسهراتنا لكنه ماثلٌ على ألسنتنا وفي قصصنا وذكرياتنا، هل هو ميت؟!

 

    أسعدني شيء واحد يا إسماعيل. بعد أن قرأت الفاتحة أمام قبرك، تأكدت أن حسن شاكر لا يزال قربك، جارك، قبره على بعد أقل من 5 أمتار من قبرك. في البداية، بسبب العتمة، لم أجد قبر حسن بسرعة، وأنا كنت أعرف أنه جارك، قبره وراء قبرك، على بعد خطوات. قرأت أسماء قبور أخرى، لم أعثر على قبره، أصابني قلق وارتباك.. معقول، هل تركك حسن؟! هل انتقل إلى مقبرة أخرى، مثلما كان ينتقل (أو يُنقَل) من سجن إلى آخر. لكن ما لبثت أن وجدت قبر حسن.. لا تؤاخذني، إنها العتمة، وكنت أود كذلك أن أعثر على قبر بدران، خلفكما، وهو أسير سابق، ، لم يتم ذلك، فالعتمة بدأت تتحول إلى ظلام، وهناك أوامر حارس المقبرة،سأزور قبرك يا بدران في وقت آخر. استعضت عن الوصول إلى قبر بدران بقدميَّ بالوصول إليه من خلال قراءة الفاتحة.

    من حسن حظك يا إسماعيل أن حسن جارك، وهو أسير سابق مثلك، ووفي مثلك، في الحياة والممات. كلاكما رحل في 10/12، هو في 10/12/2002، وأنت في 10/12/2006، ويبعد قبرك عن قبره أقل من 5 أمتار. هل تذهب إلى قبره ويذهب إلى قبرك وتسهران معاً كما كنتما تفعلان في الدنيا، وأنتما على قيد الحياة ؟!

 

    كلاكما كان وفياً، للناس، للقضية، وللصداقة. وكان بينكما وفاء، كنتما قريبين إلى بعضكما في الهموم وفي الحضور. وها أنتما قريبان وجاران.. حتى في القبر!

    الوفاء قليل يا إسماعيل. في دنيانا، فوق التراب، الوفاء للشهداء وأسر الشهداء كبير في الخطابات والمهرجانات وخيمة العزاء، الوفاء كثير في الكلام، و"الكلام ليس عليه جمرك" !

    نحن يا أبا أحمد مشغولون جداً، نعيش حياة راكضة لاهثة، أو حياة راكدة خاوية، مشغولون في أشياء كثيرة، ومشغولون عن الواجبات والبديهيات، مشغولون في اللاحياة، في اللاوفاء

 

    صدِّقْني يا إسماعيل، كان ذهابي إلى قبرك لأجلي، أكثر مما هو لأجلك. هكذا نحن الأسرى السابقين، صرنا إذا أردنا أن نضحك أو نرفع معنوياتنا نذهب بتفكيرنا إلى أيام السجن، حيث الضحك أكثر والمعنويات أعلى. والآن، في السجن الكبير الذي يسمونه "دنيا!" إذا أردنا أن "نفش قلبنا وقهرنا"، أن نُفرِّغ أحزاننا، ونرفع معنوياتنا، نذهب إلى زيارة قبر.

 

.. السجن قبر، القبر سجن !

.. الأحياء يستعينون بالأموات !!

 

    من قال أن الشهداء لا يتكلمون، لا يشكون، لا يلومون، ولا يعاتبون؟! إنني مقتنع أن الشهداء يتكلمون، وكلامهم مُعبِّرٌ.. وقاسٍ. يتكلمون من خلال عيونهم، عيون الشهداء تحكي، المُلصق يتكلم!

    أيام كنتُ في بيروت، كنتُ معتاداً على زيارة مقبرة الشهداء قرب مخيم شاتيلا. أحمل معي وردتين من القرنفل الأحمر. أضع واحدة على قبر غسان كنفاني، والأخرى على قبر زميلي في الأسر والمعاناة في سجن الخليل عام 1974 محمد أمين أحمد حسنين من قلقيلية. ذات مرة كنت جالساً أمام قبر حسنين، أتطلع إلى عينية الجميلتين الضاحكتين، أبثه أفكاري وهمومي وأحكي معه. شاهدتني امرأة عجوز وقالت: لا حول ولا قوة إلا بالله !

    يبدو أنه شيء طبيعي أن يكون الوفاء نادراً وعدم الوفاء هو السائد، المعارف كُثْرٌ والأصدقاء قلة. الأخلاق لا تتجزأ، والأخلاق لا تشترى من السوق أو الصيدلية، ولا يصح إلا الصحيح.

    أريد أن أقول لك يا إسماعيل، أنه في هذه اللحظة، وأنا أكتب لك، ثمة مطر يهطل بغزارة، جاء بعد فترة انتظار مقلقة، مطر يهطل على نفوسنا وعلى قبرك، يغسل عنا وعنك بعض الكآبة !

    إلى اللقاء أيها الصديق الوفي، لا أريد أن أزعجك وأقلق راحتك بأمور دنيانا.. أمور السياسة، والتنظيمات، والقيادات.. و"الزملاء". من حقك أن ترتاح، على الأقل في القبر!

    الشهيد إسماعيل دبج

    * في عام 1951 في مدينة الزرقاء الأردنية خرج من رحم أمه.

    * في عام 1968 دخل الثورة الفلسطينية.

    * في عام1970 دخل الأسر الصهيوني.

    * في عام 1985 خرج من الأسر.

    * في 10-12-2006 خرج من الدنيا ودخل الآخرة.

    * ترك خلفه:

(   - 200 مائتي) ليرة سورية وجدوها في ثيابه قبل إدخاله إلى "برَّاد" مشفى أمية في دمشق.

    - سمعة طيبة، والكثير من المحبة.

    - زوجة صابرة مؤمنة: عطاف حمدان أم أحمد من قرية سالم قضاء نابلس، شقيقة الأسير السابق فازع حمدان.

    - أربعة أولاد متفوقون: أحمد، مثال، رواء، براء.

    - ثمانية كتب، بين دراسة وسيرة ذاتية وقصص وترجمة:

1.    تحقيق حول مجزرة الأقصى، دار إلى الأمام، بيروت 1990.

2.    المرأة في التوراة، دار النمير، دمشق 1999.

3.    تأملات في التوراة، دار الرشيد بدمشق ومؤسسة الإيمان بيروت 2001.

4.    ذكريات مبعثرة، سلسلة "من ذاكرة الأسر"، دار المسبار، دمشق 2002.

5.    حمار المسيح (ترجمة عن العبرية)، دار كنعان، دمشق 2003.

6.    ذكريات ممنوعة (ترجمة عن العبرية)، دار كنعان، دمشق 2004.

7.    الحريديون في إسرائيل (ترجمة عن العبرية)، دار كنعان، دمشق 2005.

8. على حافة الجنون (قصص- نصوص)، دار كنعان، دمشق 2005.

 

*كاتب فلسطيني، أسير سابق ومبعد، يقيم في دمشق.

ajaber@scs-net.org

 

أرشيف الكاتب ومقالات أخرى مميزة للكاتب