|
|
الأسـرى ... بين "خطأ" الطفلة و"تصحيح" المذيعة !
* بقلم: د.عدنان جابر
6 نوفمبر 2007
يحدث أحياناً (وهذا من مشاكل اللغة العربية.. أو مشاكلها معنا.. أو بسبب ارتباك البشر وحقهم في الخطأ!) أن يخطأ أحدهم أو إحداهن في الكلام، أو في القراءة والكتابة، فلا يراعي الحركات "التشكيل" على الكلمات، أو يخطأ فيضع نقطة أو يغفل عن نقطة أو يستبدل حرفاً بحرف، عندئذ تحدث أخطاء خطيرة أو مضحكة، تسبب إحراجاً، تستدعي الاعتذار، أو تستثير تعليقات وهمس المستمعين والمشاهدين. على سبيل المثال، لقد سمعنا أكثر من مرة، في ندوة أو على شاشة فضائية، شخصاً يقول "الحمار الديمقراطي" بدل "الحوار الديمقراطي" !
ومن طرائف أخطاء اللغة العربية، أن شخصاً أرسل رسالة إلى أحد الشيوخ، فاستهلها بكتابة:"إلى سماجة الشيخ..." بدل أي يكتب: "إلى سماحة...". وأرسل مدير سجن رسالة إلى أهل سجين يبشرهم بأن ابنهم الذي كان مضرباً عن الطعام قد أنهى إضرابه، فكتب المدير إليهم: " لقد أكل ابنكم اليوم حذاءه " بدل أن يكتب "غذاءه"، فجن الأهل لاعتقادهم أن ابنهم قد جن وأكل حذاءه.. نقطة أو حرف تسببان مشكلة !
تحدث الأخطاء اللغوية مع الجميع، وإن كانت تلفت الانتباه أكثر عندما تحدث مع أدباء وأكاديميين، مع زعماء سياسيين، ومع مذيعين ومذيعات .
مناسبة هذا الحديث هو ما جرى على شاشة "تلفزيون فلسطين"، خطأ لغوي لا يثير الضحك، بل يسبب الحزن!
تتصل طفلة فلسطينية مع برنامج "لأَجْلِكم"، وهو برنامج شهير مخصص للأسرى، تعبِّر الطفلة عن عواطفها الجياشة، تقول ما تود قوله ثم تشكر برنامج "لأَجَلِكم" (هكذا قالت الطفلة، واضعة على الجيم فتحة بدل السكون). المذيعة اللطيفة "منال"، التي لها كذلك شقيق أسير، تشكر الطفلة بلطف، لكنها تبقيها قليلاً على الخط وتقول لها: شكراً لكِ حبيبتي، لكن هناك خطأ لغوي، إسم البرنامج "لأَجْلِكم" وليس "لأَجَلِكم".
كم نود أن نشكر الطفلة على خطأها. فبين "لأجْل الأسرى" و "لأجَل الأسرى" تكمن مأساة فظيعة وعار كبير. هل نعمل حقاً لأجْل الأسرى، لصالحهم، لأجْل حريتهم وفرحة أمهاتهم وبهجة أطفالهم، أم نتركهم لأجَلهم، لموتهم البطيء، لحياتهم المفعمة بالعذاب، والمغلفة بالنسيان، إلى أَجَلٍ غير مسمى ؟!
كم مرة نذكر الأسرى؟ إلى أي مدى يهتم مجتمعنا ومؤسساتنا وزعماؤنا وأحزابنا وحكوماتنا بالأسرى؟! وعندما يحدث اعتصام أمام مقر هيئة دولية أو في خيمة، من يشارك في الاعتصام، ومن "يتضامن!" مع الأسرى إلى جانب أمهاتهم الصابرات، زوجاتهم الحزانى، أولادهم المحرومين، وأهاليهم المعذبين؟!
هناك أكثر من 700 ألف فلسطيني دخلوا السجون الإسرائيلية منذ عام 1967، ويتواجد الآن أكثر من 11 ألف أسير بينهم أسرى عرب من لبنان وسورية والأردن. هناك أسيرات أمهات، أسيرات فتيات، أطفال أسرى، وأسرى رُضَّعٌ وُلِدوا في السجن. هناك أسرى منذ أكثر من ربع قرن، من بينهم الأسير اللبناني سمير القنطار الذي لا يزال في الأسر منذ 28 عاماً، والأسير الفلسطيني سعيد العتبة الذي احتضنته أمه وقبلته بعد 30 عاماً، ولا يزال في الأسر...
هناك أسرى فقدوا بصرهم (واحتفظوا بالبصيرة!)، أسرى مرضى، وأسرى ترفض إسرائيل الإفراج عنهم مع أنهم مصابون بالسرطان !
ننسى أن معاناة الأسرى ليست سنوية أو فصلية أو موسمية، بل معاناة يومية ولحظية، في النهار والليل، وفي كل الأحوال.
نهتم بالأرقام، وننسى الإنسان. لا نتحرك إلا إذا استشهد أحدهم، مع أن الأسرى شهداء من نوع خاص ويستشهدون يومياً. ولا نهتز إلا إذا هزَّنا رقم كبير، كأن يصاب 250 أسير في معركة بين حراس مدججين وأسرى عُزَّل. وحتى إذا هزَّنا حدثٌ جلل، أو جريمة كبيرة، ننفعل للحظات، أو أيام، ثم نعود إلى نومنا وأمورنا وعادياتنا!
لم نسمع عن مسؤول فلسطيني (أو عربي) ضرب الطاولة بقبضته من أجْل الأسرى، أو ألغى موعداً مع مسؤول إسرائيلي لأجْل الأسرى.. إلى أجَل غير مسمى !
تصدع إسرائيل رؤوسنا ورؤؤس الدول بالحديث عن أسراها الثلاثة الذين تملأ صورهم الشوارع والشاشات، أما أسرانا فليس عنهم سوى صور المعاناة، وصورهم التي يحملها أمام مقر أو داخل خيمة، أمهات صابرات وأطفال محرومون من الطفولة والسعادة.
يحزننا عدم فوز الذاكرة على البلادة، عدم انتصار المعنى على الوقائع. "تصفعنا" أغنية فيروز: "زوروني كل سنة مَرَّة، حرام تنسوني بالمرَّة" .
ويحزننا الحزنُ الذي عبَّر عنه تنيسي وليامز في مسرحية (عربة ترام اسمها الرغبة): "أرني شخصاً لم يعرف الحزن، وأنا أبرهن لك على أنه ضحل وسطحي".
* كاتب فلسطيني، أسير سابق ومبعد، مقيم في دمشق. أرشيف الكاتب
ajaber@scs-net.org