محمود أبو دنهش، أحمد الهدهد، وعلاء البازيان
سلبوا أبصارهم .. فحضروا بالبصيرة !!!
*د. عدنان جابر
28 سبتمبر 2007
أن تولد كفيفاً أو أن تصير كفيفاً ليس سيان. أن تولد كفيفاً يعني أن تنتقل من عتمة إلى عتمة، من ظلام الرحم إلى ظلام الدنيا، لا فرق. أما أن يهبك الله نعمة البصر وتولد مبصراً، وترى الدنيا لسنوات، ثم تفقد البصر، فهذا ليس سهلاً، هي مأساة كبيرة.
أن تفقد البصر بسبب خياراتك، وعلى إثر درب سلكته، بسبب نضالك في سبيل الوطن، أو انحيازك لقضية سامية، أو قيامك بمأثرة، فهذا عطاء كبير، تضحية جليلة، وضريبة ترتضيها وتتصالح معها، رغم فداحتها.
أما أن يأتي بشر، وحوش، ليسلبوا منك نعمة البصر التي وهبك إياها الله، عمداً ومع سبق الإصرار، فهذه ليست مأساة فحسب، بل ظلم ظلامي، والذين فقؤوا عينيك، أو أطفؤوا النور فيهما ينطبق عليهم قول طاغور: " الإنسان أسوأ من الحيوان عندما يكون حيواناً ".
هذه قصة ثلاثة مناضلين فلسطينيين، نروي من خلالها تضحياتهم، كيف فقدوا أبصارهم، كيف يواصلون مشوار الحياة، ويمارسون حضورهم بالبصيرة !!!
***
1- محمود أبو دنهش
الفدائي الذي قسم يومه إلى ثلاثة أقسام
- محمود أبو دنهش.
- من بلدة حلحول، قضاء الخليل.
- اعتقل عام 1969 .
- فقد بصره بسبب شظايا القنابل، والضرب بكعب المسدس.
- تم تحريره في "عملية النورس" 1979.
في ليلة من ليالي صيف عام 1969 كان كاتب هذا المقال يغني "يا جارة الوادي" من خلف شباك إحدى غرف مستشفى سجن الرملة، وهو ينظر صوب سجن "نفي تريستا" المقابل حيث تقبع هناك أسيرات فلسطينيات.
كنت من خلال الغناء أريد التخفف من الألم الفظيع الذي يستوطن قدمي اليسرى المصابة برصاص "الدمدم" الذي أطلقه عليّ جنود الاحتلال الصهيوني أمام الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل في 5 حزيران 1969 .
فجأة، وكلمات الأغنية تنساب من فم جريح موجوع عبر ظلمة الليل إلى سجن الأسيرات، نادى أحد الأسرى من شباك غرفة مجاورة : "عدنان، لو سمحت أوقف الغناء".
استغربت ذلك. لم يكن صوتي قبيحاً، كما أنه لا يوجد سجين يقول لسجين آخر "لا تغني". فالغناء في السجن مطلوبا جداً لأنه يخفف الألم، وهو رفيق للأمل. قلت لمن ناداني:"لماذا؟"، أجابني:" الآن أحضروا جريحاً جديداً وهو متعب يحتاج إلى راحة، إنه من حلحول". امتثلت لطلب زميلي.
في الصباح، بعد فتح أبواب الغرف، ذهبت فوراً إلى الغرفة التي وضعوا فيه الجريح الجديد، فكان محمود أبو دنهش.
تم اعتقال محمود أبو دنهش على إثر معركة حامية مع قوات العدو الصهيوني في بلدته حلحول. أصيبت إحدى عينيه إصابة خطرة بفعل شظايا القنابل التي ألقيت عليه، وكان يرى بالثانية، لكن الهمجية والإهمال المتعمد والتحقيق المشبع بالحقد أجهز على عينيه الاثنتين، وأدى إلى أن يصبح ضريراً تماماً.
أراد العدو تحطيمه تماماً لأن محمود كان بطلاً في المعركة وقتل وجرح عدداً كبيراً من جنود العدو مع أنه كان وحده. لقد حاصروه وطلبوا منه الاستسلام بواسطة مكبر الصوت فتكلم معهم بالرصاص والقنابل. ومن الذين قتلهم ضابط إسرائيلي برتبة ملازم يدعى "دوب ايتنجر".
تم اعتقال محمود أبو دنهش عام 1969 وحكم عليه بالسجن المؤبد. من أقواله في المحكمة:
"لقد جرحت جروحاً خطيرة، وبعد نفاذ ذخيرتي واستسلامي وإلقاء القبض عليّ، ضربني أحد المحققين على وجهي ورجلي اليسرى، ورفسني المحققون وكنت بين أرجلهم كالطابة. حدث هذا في شرطة الخليل، ولم أعرف ما حدث بعد ذلك حيث فقدت الوعي بسبب الآلام التي شعرت بها من الرصاص الذي ملأ كل جسمي. بعد ذلك نقلت إلى مستشفى هداسا بالقدس وهناك جاءني المحقق الميجر يوسف، وطلب مني تفصيلات لم أكن أعرفها فأخذ يضربني ويشدني من شعري ويعذبني بتحريك أنبوب المطاط الموضوع في أنفي والذي كنت أتنفس بواسطته. كما أخرج من فمي أنبوب المطاط الذي كنت أتناول الغذاء بواسطته، وعندها شعرت بآلام لا أستطيع وصفها، وقد أجريت لي عملية، أخرج من جسمي بواسطتها 20 شظية قنبلة".
أما رئيس المحكمة العسكرية الصهيونية، فيسأل أبو دنهش:
- "متى فقدت بصرك؟"
- أبو دنهش:"لقد فقدت بصري بعد اعتقالي.. وفي يوم الإعتقال شاهدت الجندي الذي حقق معي بعد أن ألقيت سلاحي.. إني أذكر ملامحه وقتها وهو الذي ضربني بعقب مسدسه على وجهي وعلى أثرها فقدت بصري".
في سجن عسقلان، كان جميع أسرى المقاومة الفلسطينية يكنون الود لمحمود أبو دنهش ويعاملونه باحترام شديد. إن كل مناضل كان يعرف الطريقة التي عليه أن يساعد بها محمود. إنه لا يحب أن تقوده من يده بالطريقة الشائعة في قيادة العميان..إنه يحب أن تتأبط ذراعه وتسير معه جنباً إلى جنب. ومحمود لم يتخلف عن الركب، فقد كان يشارك زملاءه الأسرى نضالاتهم وإضراباتهم.
قبل الاعتقال، كان محمود أبو دنهش يقسم وقته إلى ثلاثة أقسام، في الصباح يذهب من بلدته حلحول إلى مدرسة الحسين بن علي الثانوية في الخليل، بعد الظهر يساعد أهله في الأرض، أما في الليل فكان فدائيا يصطاد مع مجموعته الفدائية دوريات العدو.
قضى محمود عشر سنوات في الأسر، شارك فيها زملاءه الأسرى الألم والمعاناة، وشاركهم الصمود والنضال والإباء. وتم تحريره عام 1969 مع غيره من الأسرى، خلال عملية تبادل الأسرى البطولية "عملية النورس"، التي قادتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة-.
المرة الأخيرة التي رأيت فيه محمود كانت في أوائل التسعينيات في الأردن في بلدة ياجوز قرب الزرقاء في بيت شقيقه الذي يعيش عنده. ذهبت لزيارته بعد أن اشتقت إليه كثيرا،ً قبل هذه الزيارة كنت أتحدث معه هاتفياً من آن لآخر، وكانت براءة جاهلة لدي تدفعني للاعتقاد بأنني خلال اتصالي به سأرفع من معنوياته وأشد أزره، لكن ما يحصل كان العكس، كان هو من يرفع معنوياتي ويشد أزري، كان أشد صلابة مني.
في بيت شقيقه، قلت له:" يا أبا حسن، أرى أمام البيت عريشة رائعة، دالية عنب". فأجابني:
- إنها لا تعجبني. لقد "طعَّمْتها" العام الماضي، لكنها لا تعجبني !
أصابتني الدهشة. كفيف يقوم بعملية "تطعيم" لشجرة!، إذن، محمود لا يزال متعلقاً بالأرض والزراعة، يحب الحياة، ينشغل بأشياء مفيدة، ويرغب بالتجديد والابتكار.
قلت "أبا حسن"، لكن محمود لم يكن متزوجاً، هكذا ينادونه. محمود أبو دنهش عزيز النفس ولا يحب الشفقة، ولا يريد أن تتزوجه فتاة بدافع الشفقة، ولديه مواصفات للفتاة التي يمكن أن تكون زوجة له.
حسب علمي، لم يتزوج محمود حتى الآن. بالتأكيد، لا يمكننا القول بأنه لا يوجد على الإطلاق فتاة ناضجة، محترمة، طيبة، وجميلة تقبل الزواج من مناضل فقد بصره. نقول فقط، بأن محمود لم يتزوج .
وحتى الآن، لا يزال محمود متزوجاً من الصبر والصمود والكبرياء، مع قليل من السخرية وحس الفكاهة !
2- أحمد الهدهد
أيتها الموسيقى: أطفؤوا عينيَّ.. فهل تخففي ألمي؟!
- أحمد الهدهد.
- من مدينة نابلس.
- اعتقل عام 1968.
- فقد بصره بسبب التعذيب وإطلاق كلب عليه.
- أطلق سراحه عام 1978 .
يروي أحمد الهدهد، وروايته صادقة، لأن فقدان بصره أكبر شاهد على ذلك، أنه تعرض لتعذيب شديد على يد المحققين الصهاينة. وكانت ذروة الأساليب الهمجية التي اتبعوها معه هي عندما أطلقوا عليه كلباً. قصارى القول، أو خلاصة المأساة، أن عيني أحمد أخذتا تفرزان سائلاً لم يتوقف، لم يعالجوه، واستمرت حاله في التدهور حتى فقد بصره تماماً.
صدف أن جمعتني وأحمد غرفة رقم 11 في سجن عسقلان عام 1970 . كنت أثناء "الفورة"، عندما نخرج إلى الساحة لمدة نصف ساعة، أتأبط ذراعه، ونتحدث بصوت خافت، فقد كان الكلام أثناء "الفورة" من ضمن الأشياء الكثيرة الممنوعة في ذلك السجن. كان علينا السير اثنين اثنين، أعيننا في الأرض، أيدينا إلى الخلف، دون كلام، كأننا نسير في جنازة، وليس في جولة ترويحية،الساحة مربعة، ونحن مربع بشري صامت، لكن كان ثمة خرق للصمت يخرج من هنا أو هناك في هذا المربع، وكان صوت السجانين، الذين يرصدوننا ويراقبوننا بوجوه عابسة وعيون شاخصة، يعلو احتجاجاً وتهديداً واستفهاماً عن مصدر الصوت، كان الواحد منا يتحدث مع زميله ثم يصمت عندما يعلو صوت السجانين، ثم لا يلبث أن يعاود الحديث ويصمت، وهكذا، وكنا نرفع رؤوسنا لبرهة قصيرة، كي نرى مربع السماء فوق رؤوسنا، أو نتأمل النخلة الجميلة الوحيدة الشامخة وسط الساحة، التي اجتثتها سلطات السجن في وقت لاحق، ننظر للحظات قصيرة فقط، ثم لا نلبث أن نعود إلى الصمت وتعود رؤوسنا مطأطأة. السجانون يريدوننا مربعاً آليا أصمَّاً، ونحن نصر على التمسك بالنطق .. والسماء !
في تلك الفترة، لم يكن لدينا كتب كثيرة، أذكر أنه كان في الغرفة نسخة واحدة من "القرآن الكريم" وديوان شعر لأبي القاسم الشابي. الصحيفة الوحيدة التي يجلبوها لنا هي "الأنباء" الإسرائيلية باللغة العربية. كنت، وأنا أتأبط ذراع أحمد، أقوم بـ "تسميع" ما يحفظه من قصائد نقرأها عليه. المدهش في الأمر، أن أحمد، وهو الكفيف، كان أكثرنا وأسرعنا حفظاً. أحببنا قصيدة كتبتها على ما أظن سهام داود، أو مهداة إليها، وهي شاعرة فلسطينية من فلسطين 48، تقول القصيدة :
قلت متى يا غريب تعود إلى البيت، متى؟
أرجوك ألاّ تتألم
فامضغ، فامضغ أحزانك يا ولدي وتبسَّم
عيناها كالدانوب
ساحت في بلادي مقلتاها
وكصفحة القمر المندّى بالرطوبة وجنتاها
والدفء دفء الشوق كان عذابها
حتى طواها
غير أن أجمل ما قرأنا من شعر، كانت كلمات لشاعر فلسطيني من منطقة 48 أيضاً، هو أنطوان شماس الذي نشر لاحقا رواية "أرابيسك"، وهي أول رواية يكتبها فلسطيني باللغة العبرية، كلمات شماس هذه تشي بصورة فنية للموسيقى وبالمكانة التي تتمتع بها الموسيقى في الروح، كلمات أجدها أجمل من كلمات شكسبير الذي قال:
The Music Is The Food Of Love ..( الموسيقى هي غذاء الحب )
وأراها أجمل من كلمات الحكيم الصيني كونفوشيوس الذي قال:
لا تقل لي ما هي قوانينهم
بل قل لي ما هي موسيقاهم
تقول كلمات أنطوان شماس:
قُلْ لعازفِ الجيتارْ، في بوابةِ الخليلْ
كلُّ بيوتِ المدينةِ ستنهارْ
إذا تَوقَّفْ
لماذا أتحدث عن الموسيقى؟، ذلك لأن لأحمد الهدهد قصة معها. في بيروت عام 1979 التقيت أحمد في منتدى غسان كنفاني في مخيم شاتيلا. كان قد تعلم الموسيقى، وكان يُعلِّم الأشبال والزهرات الأغاني الثورية والوطنية.
هكذا، من الأهمية بمكان، بالنسبة لإنسان يفقد بصره أن ينشغل بشيء مفيد، أن يعطي، وأن يشعر بأن له دوراً يقوم به، وهذا لا يخفف ألمه وينسيه حزنه فحسب، بل يشعره بالقيمة الذاتية، وبالاحترام. نعرف جميعاً، أنه من ضمن أشكال التوصيف الخاطئة والمتخلفة في واقعنا هي عندما يقولون عن إنسان كفيف: يا حرام.. عاجز!، لكن العاجز هو عاجز الإرادة .
أخبرني أحمد، أنه عندما خرج من السجن شعر بقهر كبير، وتوتر شديد، أمه ولدته بعينين مبصرتين وها هو دونهما بسبب الكلب وأولاد الكلب.. كيف سيتدبر أمره! خارج السجن دنيا واسعة ومعقدة، تختلف عن دنيا السجن المحدودة التي اعتاد التعامل معها وحيث كان يجد التفاهم والتفهم والمساعدة والتقدير من زملاء الألم والتحدي. هنا في الخارج، قطْع الشارع مشكلة.. شراء الحاجيات مشكلة.. تدبير العيش والتعامل مع أمور البيت مشكلة...الخ.
قال لي أن غضباً هائلا كان في داخله، كيف يعالجه؟!، قرر أن يتعلم الموسيقى، رفيقة الحزن والفرح والخيال، واختار أحمد الكمان، لكنه ما لبث أن اكتشف بأن الكمان، هذه الآلة الرقيقة الناعمة والتي تعتبر ملكة الآلات الموسيقية، اكتشف أنها لا تلبي رغبته، لا تشفي غليله، ولا تخرج القهر والغضب من داخله. عندئذ اختار الأكورديون، ارتاح إليه، واستطاع به ومعه تفريغ شحناته النفسية، وأن يلعب بمفاتيحه على إيقاع الموسيقى وإيقاع الروح. صار أحمد الهدهد يُعلِّم الأطفال الموسيقى والأغاني، بل أكثر من ذلك، صار في المخيمات الفلسطينية وفي شوارع بيروت يتقدم، حاضناً أكورديونه، المسيرات الوطنية والسياسية.
بعد سنوات، التقيت أحمد الهدهد في عمان. لم يقبل الاعتماد على الراتب الذي يأخذه من منظمة التحرير الفلسطينية، ولم يرتضي لنفسه الاتكال على مساعدة الآخرين، أياًّ كانوا. اختار أحمد أن يكون له "كشك" في "مُجمَّع رغدان" في العاصمة الأردنية، يبيع فيه السجائر، وأشياء استهلاكية صغيرة مختلفة.
من حسن حظ أحمد، أنه تزوج من امرأة لبنانية طيبة، لها ابن اسمه "مختار" من زواج سابق، وهو سعيد مع أم مختار ومع مختار الذي يعتبره مثل ابنه، فأحمد لم يفقده الصهاينة بصره، بل أفقدوه كذلك قدرته على الإنجاب.
أحمد الهدهد، مثل محمود أبو دنهش، يتمتع هو الآخر بحس السخرية وبروح الدعابة، وإلاّ كيف سنقضي هذا العمر، ونجتاز هذه الحياة!
يقول لي أحمد، بلهجة أهل نابلس القديمة، شارحاً صحة خياره بأن يعمل ويكسب المال بشرف وكرامة، وأن لديه بيت وأسرة يحتاجان إلى نفقات: بعدين، معقول يمر أسبوع بدون ما نتزفَّر؟(نأكل اللحم)، مش معقول، لازم نتزفَّر ولو مرَّة في الأسبوع..
ويفاخر أحمد أمامي، قائلاً أن بعض "أولاد الحلال" حاولوا غشه والضحك عليه عندما كانوا يعطونه عملة معدنية أو ورقية، لكنهم لم يفلحوا في ذلك، فكان يتحسسها جيداً، أو يطلب من جيرانه رؤية العملة المعطاة له وذكر قيمتها!
"العمى.. بتشاطر على أعمى ليضحك عليه ويسرقه!"، يقول لي أحمد الهدهد.
من المؤكد، أن هذا "الشاطر" لا يعرف ضحيته حق المعرفة، لا يعرف أن أحمد كان في زمن مضى له عينان تريان الأشياء والألوان والقسمات، تريان وجه الأم، ألوان الأزهار، خيوط الشمس الأولى، قهوة الصباح، وتريان جرزيم وعيبال، وأنه دفع بصره لأنه لم يشأ أن يرى بسطار الاحتلال على تراب الوطن..
ومن المؤكد، أن هؤلاء "الشطّار" المساكين، لا يعرفون أن الحيوانات ليست هي الأسوأ، ولم تقع أبصارهم على كلمات طاغور: الإنسان أسوأ من الحيوان عندما يكون حيواناً !
3- علاء الدين البازيان
العاجز عاجز الإرادة.. وهذا الإنسان شامخ كجبل
ـ علاء الدين أحمد البازيان.
ـ مدينة القدس، البلدة القديمة.
ـ أعتقل أول مرة عام 1979 بعد أن فقد بصره في إحدى العمليات العسكرية، وأمضى ست سنوات في السجن.
ـ اعتقل مرة أخرى بتاريخ 20-4-1986 وحكم بالسجن المؤبد بتهمة ترأس مجموعة عسكرية.
محمود أبو دنهش.. أحمد الهدهد.. علاء الدين البازيان ملحمة إنسانية، معاناة وصمود وإباء، لدى أمثال هؤلاء، الأساتذة في البصيرة، وفي فن التسامي على الألم بالتفاؤل والحيوية، يمكننا نحن "المبصرين" أن نكون تلاميذ نتعلم منهم أشياء لن تعطينا إياها أكبر الجامعات.
لقد كتبتُ عن محمود أبو دنهش الذي عرفته داخل السجن وخارجه، وكتبت عن أحمد الهدهد الذي عرفته كذلك داخل السجن وخارجه، ولكن ماذا سأكتب عن علاء الدين البازيان الذي سمعت عنه كثيراً من زملاء أسرى سابقين لكنني لم أعرفه شخصياً..
إن الكتابة التي تستند إلى معايشة شخصية تختلف عن الكتابة التي تعتمد على السمع من الآخرين. في داخلي شعرت أن كتابتي عن علاء ستكون ضعيفة مقارنة مع كتابتي عن محمود وأحمد.
من حسن حظي، أنني قرأت على موقع "عرب 48"(25-5-2005) مقالاً للأسير وليد دقة كتبه من سجن الرملة يتحدث فيه عن علاء الدين البازيان. المواضيع التي ينشرها هذا الأسير تبين أنه إنسان مثقف يجمع ما بين الوعي السياسي والهم الوطني والقدرة على التعبير الأدبي بصورة أخاذة قادرة على الغوص في الأعماق وإعطاء الأمور أبعادها ومعانيها، وآخر ما قرأت له على موقع "فصل المقال" وموقع "عرب 48" مقالاً بعنوان "القضية الفلسطينية بين الأدوات والثوابت الوطنية".
الأسير وليد دقة من فلسطين عام 48 الموجود الآن في سجن الجلبوع ليس ابن عمي ولكن ابن همي!، فهل كثير على قلم جميل جريء يعيش خلف القضبان أن أقوم له بهذه "الدعاية" ؟!
أنتم "الكسبانين"، لأنكم ستقرؤون كتابة تستحق القراءة، أنا هنا مجرد واسطة إيصال حين يتكلم الألم. وليد دقة أحق مني في الكتابة عن علاء الدين البازيان، فاقرؤوه !
***
علاء الدين.. سراج يجرح ظلام المرحلة
وليد دقة ـ سجن الرملة
سأحكي لكم قصة علاء الدين الذي اعتقدته مبصراً فاكتشفتُ أنني ضرير..
علاء الدين أحمد بازيان، ليس اسماً لقصة تاريخية وإنما هو حقيقة رجل من لحم ودم، قطعة من قلب هذا التاريخ النازف، بل هو ممن خطُّوا لنا بجسدهم عطاءً وكفاحاً.
علاء الدين الذي كتبَنا ملحمة لم نكتبه قصيدة..
وعلاء الدين ليس اسماً لبطل أسطورة خرافية، وإنما لبطولة إنسان يعيش بيننا الآن هنا في سجن الرملة وفي هذا الزمن الذي انتهت منه الخرافات والأساطير ولا يؤمن ناسه إلا بالوقائع الحية الملموسة .. فدُفن علاء في غياهب السجون حياً ملموساً ما يزيد عن الربع قرن!
وعلاء الدين ليس اسماً لسراج المعجزات، وإنما لرجل رأى بعقله المتقد وتجربته الإنسانية والنضالية النافذة طريق الحرية .. بكثير من الواقعية السياسية والنضالية بعيداً عن العدمية ومنطق التنجيم وإستراتيجيات الشعوذة، فكان لي شرف أن يمسك بيدي أنا الأسير الشاب حديث التجربة المبصر، حتى يقودني، هو الضرير، ليجنبني التعثر في عتمة الزنازين، فغدا علاء الدين بهذا المعنى قنديلاً يجرح ظلام المرحلة.
حين نغني "عيوننا للوطن"، لعلاء هذا ليس نشيداً ولا بلاغة وفذلكة لغوية .. فعلاء حين طلبت منه مدينته القدس – أورسالم نورها الكامل منحها "أبو كمال" كامل النور الذي أبصر.
علاء يرفض أن يكون أسطورة أو أيقونة تعلق على جدران من حوّلوا المعاناة لمعارض، والوطن إلى تراث وأصرّ دوماً أن يبقى ذاك المناضل الإنسان بكل ما تعنيه هذه الكلمات من عمق ثوري وبساطة وتواضع في نفس الآن، حتى لا يتحوّل الوطن إلى ما يشبه الوطن، والنضال إلى ما يشبه النضال، والمناضلون إلى أشباه مناضلين، والحرية والاستقلال إلى ما يشبه الحرية والاستقلال، فيغدو الأسير قضية تُقدَّم على القضية.
علاء الدين الذي اعتقل شاباً في الحادي والعشرين من عمره، أمضى في السجن أكثر مما أمضى خارجه وما زال يقضي .. وعلاء الذي فقد بصره منذ ذلك الحين يرفض أن يتكىء على عجزه العضوي ليبرّر عجزاً أو قصوراً، قد يكون مبرّراً له في وضعه العضوي، لكنه يمقت العجز .. عجزنا .. عجزكم، ويرفض أن يكون الحالة الإنسانية المثيرة للشفقة، ويصرّ على أن يبقى الإنسان والمناضل الذي يشارك الحركة الأسيرة كل نقاشاتها السياسية والنظرية ومعارك الإضراب المفتوح عن الطعام وأيام التضامن وغيرها .. علاء الدين ينتمي لفئة النافخين على جمرات قيمنا الإنسانية والنضالية الجامعة حتى لا نفقد بصيرتنا .. وعلاء يقدم للوافدين الشباب بسلوكه الحي كيف يجب أن يكون المناضل، حين يهتم بدراسة التاريخ والأدب والفلسفة دون أن يهمل ساعة الرياضة اليومية. علاء سيلتحق قريباً بالجامعة المفتوحة.
بالأمس كنت أمسك بيده كعادتنا أثناء السير في باحة السجن فاصطدمت بعامود برج السلة، ضحكت وضحك الجميع وتساءلوا من يقود من؟
لقد أقنعتنا يا صديقي بأنك أقوانا، نسينا إصابتك .. فأنا لم أسمعك يوماً تشكو أو تتأفف لاعناً العتمة .. عرفتك على الدوام مناقشاً للأوضاع محللاً لها، شاداً من أزر محيطك. كنتَ على الدوام نداً في أصغر القضايا كما في أكبرها .. دائماً كنت الفائز في لعبة الدومينو. حتى السجان يا أبو كمال، حتى السجان لم يقتنع بأنك ضرير .. أتذكر يوم استدعيتَ لعيادة السجن وطلبوا فحصك مجدداً للتأكد من أنك لا تبصر.. قيل لك بان أحد السجانين شاهدك تقف أمام المغسلة وتحلق ذقنك فظنوك تستخدم المرآة !
أنت كما أنت وكبرياؤك يا صديقي أنسانا سؤالك وسؤال أنفسنا، كيف يتصرّف علاء في المواجهات العنيفة التي تنشب بيننا وبين السجان؟ كيف يتقي الغاز المسيل للدموع والهراوات التي تسقط عليه دون أن يتمكن من احتساب جهتها .. ولا تشفع له العتمة الأبدية؟ نسينا يا صديقي أن نسألك كيف تجمع ملابسك وأغراضك الشخصية بعد كل تفتيش عنيف يخلف وراءه كومة منها وسط الزنزانة؟ ونسينا أن نسألك كيف تقوم بأبسط الأمور الحياتية كعقد رباط حذائك، والسير من السرير إلى الحمام بعد أن تتغيّر عليك جغرافيا المكان في كل عملية نقل من سجن لآخر؟ علاء الدين يُرَحَّل من سجن لآخر، ويُكبَّل كسائر الأسرى بالأصفاد بيديه وساقيه حتى لا يتمكن من الهرب !!
علاء الدين رجل التفاصيل الحريص على أن يظهر بأفضل ما يكون أمام زائريه. لن يرى الشيب الذي يخط شعر أمه ولا الأخاديد التي حفرت وجه والده ولا وجه أسمى ابنة أخيه الذي قتل مغدوراً. لكنه يرى بعيونها الأمل ويسمع بصوتها حزن مدينته وفي حديثها التساؤل والسؤال الدائم .. كم حرّ طليق مكبل بأصفاد عمى البصيرة؟ كم مبصر نحتاج كي يروا بعض ما تراه؟
علاء الدين استثنيَ من الإفراجات على مدار سنوات اوسلو ولم يحظ باهتمام "المبصرين" ممن فاوضوا. وعلاء الدين لن يرى النور في آخر النفق ما دمتم تقدمون مثل هذا الأداء. علاء الدين الذي كتبكم لن يقرأ هذه الكلمات، فهل ستقرؤونه ؟؟
*كاتب فلسطيني، أسير سابق، ومبعد، يقيم في دمشق.
مقالات أخرى مميزة للكاتب ( أرشيف الكاتب )