يولدون.. يفارقون.. ويرحلون
د.عدنان جابر*
20 حزيران 2006
قدما طفلٍ حافيتان
تمشيان ببطءٍ في العتمة
هزيلتين ومقوستين
كعلامتي استفهام
حول مستقبل هذا العالم
ـ الشاعر البلغاري نينو نيكولوف ـ
***
"براء" البريء ، " نور" المفارق ، "رفيدة " الراحلة، و"هدى"..؟!
في السجون الصهيونية، هنالك رجال فلسطينيون أسرى، نساء أسيرات، وحتى فتيان وفتيات دون الثامنة عشرة ، ولكن كيف لنا أن نفهم أو نقبل أن هنالك أطفالاً أسرى رضع، أطفالاً أسرى مع أمهات أسرى، أطفالاً يولدون في السجن، وأطفالاً يُنزعون من أمهاتهم قسراً ؟!
وكيف لا يدمى القلب حزنا وأسى، عندما تحلم طفلة بزيارة والدها الأسير، وتنتظر هذه الزيارة لحظة بلحظة، ثم يتبخر كل هذا الشوق، ويتبدد هذا الحلم، لأن بوابة حديدية لأحد الحواجز العسكرية الإسرائيلية، قد أطبقت على جمجمة الطفلة !
وكيف يمكن أن ننسى، أن فلسطين المطرزة بالدم والكبرياء والزيتون العتيق والبرتقال الحزين، المليئة بعشرات السجون الصهيونية، عشرات الأقفاص من شمالها إلى جنوبها، هي أسيرة في سجن واحد، نحن فيه جميعاً، قفص كبير قبيح واحد، نحن فيه جميعاً، اسمه الاحتلال، الاحتلال الذي يقتل الفرح ، ويُيَتِّمُ هدى غالية، على البحر، في وضح النهار؟!
1- " براء " البريء: جئت رغم حقدكم !
"براء" هو أصغر أسير فلسطيني (حتى الآن! ). ولد بتاريخ 30 نيسان 2006 من أم أسيرة هي سمر صبيح ومن أب أسير هو رسمي صبيح.
ذهبت سمر إلى الولادة والأصفاد في يديها ورجليها، لتضع مولودها البكر. مصلحة السجون الإسرائيلية منعت أم الأسيرة ومحاميتها من مرافقتها ، زوجها الأسير كان يتابع بصوته المنهك الملهوف عبر الهاتف ولادة فلذة كبده.
في فحص ما قبل الولادة كانت الأسيرة مقيدة اليدين والرجلين، ولم يتم نزع قيودها إلا أثناء العملية القيصرية. استهجن زوج الأسيرة عدم السماح له أو لأي من أقارب زوجته بحضور عملية الولادة على الرغم من حاجة زوجته الماسة لحضورهم.
اعتقلت الأسيرة سمر صبيح مع زوجها في التاسع من أيلول عام 2005 ، وتواجه حكماً بالسجن 28 شهراً، في حين تم تحويل زوجها للاعتقال الإداري المتجدد في سجن النقب الصحراوي.
براء رسمي صبيح، مواطن فلسطيني جاء إلى الدنيا رغم حقد الصهاينة ولؤمهم، لقد زاد الشعب الفلسطيني واحداً، وزاد عدد الأسرى واحداً !
(المصدر: موقع "الأسرى نت"، مؤسسة مانديلا)
2- " نور" المفارق: إلى اللقاء يا أمي !
بعد أن احتواهما سجن واحد، وزنزانة واحدة مساحتها 9 أمتار، وسرير واحد، قررت المحكمة العسكرية الإسرائيلية فصل الطفل نور ناجي غانم عن والدته الأسيرة منال غانم، بعد أن أمضى إلى جانبها فترة اعتقال دامت سنتين وثمانية أشهر في سجن الرملة للنساء.
وقد نظم أهالي مخيم طولكرم استقبالا حافلا للطفل نور على حاجز
الطيبة قضاء طولكرم، ذرفت خلاله الدموع فرحاً لتحريره من الأسر، وألماً لبقاء
والدته منال غانم
خلف القضبان حيث لن يكون
بوسعه بعد اليوم أن يراها إلا بعد قضاء مدة محكوميتها البالغة خمسين شهراً.
وكانت المحكمة رفضت طلبا تقدم به
المحامي محمود حسان يقضي بتأجيل فصل الطفل نور عن والدته.
الأسيرة منال غانم اعتقلت بتاريخ 17/4/2003، وهي من سكان طولكرم وتبلغ من العمر 30 عاماً. وعند اعتقالها كانت حامل بشهرها الرابع وقد أنجبت نور في نهاية شهر أيلول عام 2003 ، ومن المقرر الإفراج عنها بتاريخ 17-2-2007 .
لدى وصوله إلى معبر الطيبة جنوبي غرب طولكرم، قال ناجي غانم والد الطفل نور، ذهبنا منذ الصباح الباكر لاستلام نور، جلسنا جميعاً أنا وأبنائي وزوجتي منال إضافة إلى نور، لم يعرفني، فهذه أول مرة في حياته يراني وحتى يسمع صوتي، كان الموقف صعباً جداً.
وأضاف ناجي: عندما انتهينا من زيارة زوجتي وهممنا بالمغادرة
ومعنا نور، ازداد الموقف حزناً، حيث أن زوجتي لم تحتمل أن يبتعد عنها نور، ولكن
الجنود أمروني بالقوة أن نأخذه ونذهب من المكان، فبدأنا جميعاً بالبكاء وأصابت منال
حالة من الانهيار العصبي
وأُخذت بعيداً عنا.
عند خروجنا من السجن، سألنا نور: وين ماما ؟؟ ليه هي مش معنا ؟؟ بدي ياها تيجي !
(المصدر: موقع "عرب 48"، موقع "الأسرى نت")
3- " رفيدة " الراحلة : يا ظالم لك يوم !
نولد تهددنا الحياة
ونبقى مهددين
حتى يفارقنا
التهديد والحياة معاً
ـ الشاعرة اللبنانية ناديا تويني ـ
الأسرى وأهاليهم يعرفون كم هي هامة وشاقة زيارة الأسرى، إنها رحلة من الشوق والانتظار والمكابدة والمعاناة. زيارة قد تتم فتفجر الشوق والحرمان، وقد لا تتم بفعل إجراءات وعراقيل العدو ولؤمه الذي يتفنن في ممارستها.
ولكن، كم هو قاسٍ ومحزن لدرجة المأساة، أن ينتهي شوق طفلة لزيارة والدها الأسير بالموت، موت الطفلة على حاجز عسكري، عندما تسحق جمجمتها الصغيرة بوابته الحديدية !
انضمت الطفلة رفيدة ثائر بدر (3 أعوام) إلى قافلة الشهداء الأطفال الذين قضوا وهم بعمر الورد الذي لم يتفتح بعد. وكانت الطفلة رفيدة رافقت والدتها وأشقاءها الثلاثة لزيارة والدها الأسير ثائر المعتقل إدارياً في سجن نفحة، حين سحقتها بوابة على إحدى حواجز الاحتلال غربي مدينة رام لله . وروت الأم جيهان عقيلة ما جرى لطفلتها، قائلة: إنها اضطرت للانتظار وأطفالها الأربعة على حاجز خربثا مدة ساعة في إحدى الحافلات، التي خضعت للتفتيش الإسرائيلي قبل دخولها إلى رام الله. وأضافت : خلال ذلك استجبت لطلب رفيدة بالذهاب لقضاء حاجتها فنزلنا من الحافلة للبحث عن حمام، وعند مرورنا قرب بوابة الحاجز، أطبقت هذه فجأة على رأسها ما أدى إلى إصابتها بجروح بالغة، فاحتضنت ابنتي مشدوهة بالصدمة غير مصدقة ما حدث، إلا أن الطفلة أخذت تنزف دماً من رأسها وعينيها على مرأى من إخوتها في الحافلة. ونقلت سيارة الإسعاف التي حضرت إلى الحاجز الطفلة إلى المستشفى لتتلقى العلاج في محاولة لإنقاذ حياتها، إلا أن إصابة رفيدة كانت أكثر خطورة من المتوقع وحسب قول الأطباء، فإن جمجمة الصغيرة انقسمت نصفين وتداخلت في بعضها البعض، حتى أن إحدى عينيها قد اقتلعت من مكانها. وكانت سلطات الاحتلال قد بدأت بمطاردة والد الطفلة، ثائر بدر منذ تزوج من جيهان عقيلة قبل حوالي تسع سنوات وبموجب وصية الوالد دفن جثمان رفيدة في مسقط رأسه في بيت لقيا.
وعبر أبو موسى، جد رفيدة، عما حدث لحفيدته بالقول: "إن فاجعتهم فصل واحد في مسلسل عذابات الشعب الفلسطيني، الذي يذوق يومياً الذل والإهانة والعذاب على مختلف الحواجز العسكرية التي ينصبها الجيش للتضييق على الشعب الفلسطيني".
وحمَّل نادي الأسير الفلسطيني في الضفة الغربية حكومة إسرائيل المسؤولية عن استشهاد الطفلة رفيدة ثائر بدر البالغة من العمر ثلاث سنوات ونصف، من سكان بلدة بيت لقيا غرب رام الله والتي سقطت على رأسها البوابة الحديدية المقامة على حاجز عسكري بتاريخ 23/4/2006، فأصيبت بحالة من الغيبوبة واستشهدت بتاريخ 26-4-2006 .
بعد أن تلبس الطفلة رفيدة أجمل ما عندها من ثياب، تحلم بلقاء أبيها الأسير، تنتظر وتنتظر، يتبدد كل هذا الشوق بالموت، إنه الاحتلال: قاتل الفرح !
(المصدر: موقع "نادي الأسير الفلسطيني")
4- هدى غالية: لا بد للحزينة من يوم تفرح فيه !
القاذف حاقد، والقذيفة غبية ..
لم تمش قدماها في العتمة، مشت على رمل بحر غزة، في وضح النهار، مدفوعة بفرح طفولي، معلن، فائزة باستجابة من والدها، بعد عناء المدرسة والامتحانات: يوم فرح.. على البحر!
تقول الإتفاقية العالمية للطفل: من حق الطفل أن يلعب...
والصهاينة، الذين يريدون لأطفالهم وللعالم ألا ينسوا "المحرقة"، لا يريدون حقوقاً للفلسطينيين، سوى حقين اثنين: حق الموت.. وحق العبودية، ويفضل الحق الأول!
القاذف حاقد، والقذيفة غبية..
ظنت غالية، وظن معها أبوها وأمها وأخوتها، أن البحر بحرهم، والطبيعة أم رؤوم، وغزة قد تحررت..
القاذف حاقد، والقذيفة غبية..
خلال دقائق معدودة، كانت هدى غالية قد تيتمت وتوحدت: قتل أبوها، أمها، وأخوتها الثلاثة!
القاذف حاقد، والقذيفة غبية..
مرحى: لقد أصبتم الهدف !
***
قبل سنوات، في عمان، التي أبعدني "الأشاوس" عنها، بعد أن أبعدني الأعداء عن فلسطين، سمعت مريد ألبرغوثي في دار الفنون الجميلة، في جبل النزهة، يقول، وعمر الأغبياء يطول:
أنت حر
تجول حيثما شئت
في القفص!
***
قالت هدى غالية، وهي تودع جثمان والدها:
سامحني يابا.. سامحني يابا
... ماذا فعلت، ماذا فعلت !
* كاتب فلسطيني من مدينة الخليل، أسير سابق ومبعد، يقيم في دمشق.