|
فلسطين خلف القضبان www.palestinebehindbars.org
|
منهن من تحررن.. ومنهن من ينتظرن
(تأملات في حلاوة اللحظة.. ومرارة السياق!)
*بقلم: د.عدنان جابر
26-10-2009
فَرِحْنا لتحرير 20 أسيرة من حرائر فلسطين.. ما الذي يعنيه ذلك، وماذا بعد؟!
حتى لا نرى الشجرة ولا نرى الغابة، نرى اللحظة ولا نرى السياق ينبغي الإقرار بأن الأسرى والأسيرات في السجون الصهيونية هم العينة المتقدمة لشعب أسير، بل لأمة أسيرة.
إن قضية تحرير الأسيرات والأسرى هي جزء من قضية أكبر تطول الوطن الأسير، الشعب الأسير، الأقصى والمقدسات الأسيرة، والحقوق الأسيرة...
***
عندما يراد إظهار الافتخار بوجود رجل دخل السجن لدوافع قيمية جهادية نضالية وطنية، وحثه على الصبر وتحمل الآلام وتقبل التضحيات عندئذ يقال: السجن للرجال!
إذا كان ما سبق صحيحاً، من أن السجن للرجال والمجاهدين والمناضلين والفدائيين والأبطال، فإنه صحيح في الوقت ذاته أن السجن للنساء والمجاهدات والمناضلات والفدائيات والبطلات (الجنائيون والمجرمون، والجنائيات والمجرمات، يدخلون السجن أيضاً لكننا لا نتناولهم هنا بحديثنا، بل نتناول من دخل السجن لأسباب سياسية نضالية تحررية وطنية، ولكل مقام مقال).
النضال ليس محصوراً بالذكور من دون الإناث، فعبر التاريخ وحتى الآن، يجتذب الصراع بين العبودية والحرية، بين الظالمين والمظلومين، بين المستغِلين والمستغَلين، ويجتذب الصراع الوطني التحرري من بين أشكال الصراع الاجتماعي الإنساني على وجه الخصوص، بين الشعب المحتل وقوى الاحتلال، مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية والعمرية، ذكوراً وإناثاً.
هناك واقع يلفت الانتباه، وهو الفرق بين عدد الأسيرات القليل نسبياً بالمقارنة مع عدد الأسرى الكبير. هذه المسألة التي تبدو واضحة تماماً في التجربة الفلسطينية وفي الحركة الأسيرة متواجدة كذلك في تجارب شعوب أخرى، وهي مسألة لها أسبابها وخلفياتها. فنحن نرى أن الإناث المشاركات في الثورة وفي النضال بشكل مباشر أقل بكثير من عدد الذكور، ونسبة الإناث في الجيش والأجهزة الأمنية لدى جميع الدول متدنية بالمقارنة مع الذكور. وأسباب ذلك تتلخص أولاً في تقسيم العمل الإجتماعي بين الرجل والمرأة والأدوار التي يقوم بها كل منهما والتي تجعل المرأة أكثر التصاقاً بأمور البيت وبتربية ورعاية الأولاد، إضافة إلى بعض السمات والقابليات الجسمية والفيزيولوجية التي تؤثر نسبياً على قدرة ومشاركة كل من الرجل والمرأة في الحروب والعمليات العسكرية والقتال.
في الوقت ذاته، ينبغي التأكيد بأن هذا الفرق بين نسبة تواجد المرأة في المعسكرات وقواعد الفدائيين وفي العمليات الفدائية وفي جيش المقاتلين وفي سجون العدو في حالة الأسر، هذا الفرق هو فرق كمي لا نوعي.
يجدر بنا ألا نكتفي بالنظر إلى هذه النسبة المتدنية للأسيرات بالمقارنة مع الأسرى الذكور، فهذا ليس كل الموضوع، والنظرة التي تكتفي هنا بالنسب والأرقام هي نظرة خادعة وسطحية.
هناك أشكال ومجالات عديدة تجسد المرأة من خلالها عملها ودورها ورسالتها حيال وطنها وقضيتها وشعبها وثورتها، أشكال ومجالات لو تفحصناها جيداً لوجدنا أن الأعباء التي تقع على كاهل المرأة لا تقل عن أعباء الرجل، بل ربما تفوقها تنوعاً وشدةً.
إن النسبة القليلة لمشاركة المرأة المباشرة في النضال والمقاومة المسلحة ونسبتها في الأسر لا يعبران إطلاقاً عن تقاعس وليس لذلك علاقة بالشجاعة والاستعداد للتضحية، فماذا نقول عن المناضلة ليلى خالد والفدائية الرمز دلال المغربي التي لا يزال جثمانها أسيراً لدى العدو الصهيوني منذ عام 1978، وماذا نقول عن غيرهما من المناضلات؟!
وفي حال الأسر، إن معاناة الأسيرات، ومنهن محكومات بالمؤبد، هي معاناة ذات خصوصية وهي أشد من معاناة الأسرى. كذلك خارج السجن، فإن دور المرأة في متابعة شؤون الأسرى والأسيرات وزيارتهم والمشاركة في أنشطة التضامن والمؤازرة وفي خيم الاعتصام أكبر وأكثر حرارة وحيوية من دور الرجل.
ولنا أن نسأل: أي رجال يمكن أن يقفوا مع الأسرى وقضاياهم وشؤونهم كما وقفت، على سبييل المثال، أم عمر البرغوثي (الله يرحمها) وأم سعدي عمار(الله يرحمها) وأم جبر وشاح أطال الله في عمرها وأعطاها الصحة والعافية؟! وهناك نساء مكافحات أخريات لا يمكن حصر أسمائهن، أو لا نعرفهن (جنديات مجهولات) لم يتسن لنا الاضطلاع على تضحياتهن وعطاءاتهن.
ويمكننا عرض المثال التالي للتأمل والمقارنة: حدث ويحدث أن يتم اعتقال امرأة فلسطينية متزوجة لها أولاد ويصدر بحقها حكماً بالسجن وتقضي سنوات وراء القضبان، وإننا على قناعة بأن زوجها الذي سيتابع من بعدها شؤون الأولاد المختلفة ويحاول تعويضهم عن غياب أمهم، ويعاني أشد المعاناة في رعايتهم وتربيتهم وتلبية احتياجاتهم المختلفة معيشياً ودراسياً ونفسياً وعاطفياً، سيتمنى هذا الزوج لو كان هو الأسير بدلاً من زوجته، ليس فقط انطلاقاً من مفاهيم الشرف والعرض، بل لأن هناك أدواراً ووظائف وقابليات لدى المرأة تتميز بها، ولا يستطيع الرجل، مهما فعل، أن يقوم بها نيابة عن المرأة، أو أن يؤديها ويجسدها بذات الكفاءة والنكهة كما تؤديها وتجسدها المرأة.
إن الواقع الذي يعيشه الشعب العربي الفلسطيني يُظهر أن المحتلين الصهاينة لا يوفرون أحداً من شعبنا بقمعهم وظلمهم وقسوتهم وحقدهم وحصارهم وقتلهم وسجنهم، فهذا السلوك ألاحتلالي متعدد الصور والأشكال يطول الرجال والنساء والأطفال من شعبنا المكابد الصابر المقاوم.
***
إذا كان من الممكن تقسيم الأسرى من حيث الفئات إلى أسرى رجال ـ أسرى نساء ـ أسرى أطفال، فإننا سنقارب في هذا المقال قضية الأسيرات، بمناسبة تحرير عدد منهن (20 أسيرة) مقابل شريط فيديو عن الأسير الصهيوني الجندي جلعاد شاليط.
في التاريخ العربي (وفي تاريخ شعوب أخرى)، عندما كانت تجري الحروب والغزوات بين القبائل ويتم أسر فتاة، أو امرأة، أو نساء كان هذا الموضوع يستأثر بأهمية أكبر وحساسية أعلى بالمقارنة مع أسر فتى، رجل، أو رجال. كذلك عندما توجه إهانة إلى امرأة فإن ذلك يستدعي ردود فعل نفسية ومعنوية وغيرها، خاصة ومميزة، بالمقارنة مع توجيه إهانة لرجل.
هنا يبرز الخاص ـ المرأة بمكانتها البيولوجية والاجتماعية والإنسانية وما تحتله من موقع اجتماعي ونفسي وتقييمي في العائلة ـ القبيلة ـ المجتمع. عندما نتحدث عن أسر أو إهانة امرأة تبرز ميزة ومكانة وموقع المرأة من جهة ووقع وتقييم وردود الفعل من قبل إطارها الاجتماعي والسياسي حيال أسرها أو إهانتها.
أما إذا تحدثنا عن العام ـ الإنسان، فإن ظلم أو إهانة إنسان، أياً كان جنسه ولونه وعرقه ودينه، مرفوض حسب الشرائع والأديان والقوانين والقيم الإنسانية، والاتفاقيات والمواثيق الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وعلى أية حال، إن صرخة "وامعتصماه!" التي أطلقتها امرأة عربية مسلمة تعرضت للإهانة على تخوم الروم واستدعت رد فعل فوري وحاسم من الخليفة المعتصم انطلاقاً من الشهامة والدين وواجب الحاكم والدولة في حماية الرعايا ـ المواطنين، هذه الصرخة ـ الحدث ـ المثال قد أصبحت شيئاً ينتمي إلى الماضي، ولا وجود لهذا الجواب على مثل هذا النداء في حاضر الأمة، حاضر العرب والمسلمين الذي نعيش!
إذا كنا نتحدث عن أسيرات وأسرى، وعن واجبنا إزاء تحريرهم، فإن الواقع الفلسطيني بشكل خاص، والواقع العربي والإسلامي بشكل عام يعج بشتى صور الأسر التي تستدعي الاستصراخ، ثمة صرخات ونداءات واستغاثات وليس هناك تحركات واستجابات وإغاثات بمستوى الصرخة والنداء واللهفة، بمستوى النكبات والأوجاع والإهانات..
هناك مصادر عديدة في واقعنا العربي ترسل هذه الصرخات والنداءات والاستغاثات، فكيف هو استقبالنا لها وتفاعلنا معها وردودنا عليها؟!:
نكبة فلسطين منذ61عاماً، واحتلال الجولان، واحتلال مزارع شبعا، واستباحة إسرائيل لمياهنا وأجوائنا.
نمردة وفرعنة إسرائيل علينا بخطابها ومصطلحاتها وتصريحاتها وتهديداتها، بدباباتها وطائراتها وسفنها، بجيشها النظامي والاحتياطي و "البعبع" النووي، وباختراقاتها السياسية والدبلوماسية لجسدنا العربي.
عمليات الحفر والهدم والتهويد، تهديد إسرائيل للأقصى وغير الأقصى.
وجود آلاف الأسيرات والأسرى الفلسطينيين والسوريين والأردنيين والمصريين... والقهر الذي يتعرضون والأمراض التي يعانون.
المهاترات والانقسام والتمزق والاحتراب والتفكك الذي نشهده فلسطينيا وعربياً.
تغليب الطائفي على الوطني، والإقليمي على القومي، والتكتيكي على الإستراتيجي، وتغليب التخبط والفهلوة على التخطيط والعقل.
عوامل الطرد التي تتفوق على عوامل الجذب في حياتنا العربية، هناك هجرة العقول، هناك النفط وعائداته الأسيرة وعدم استثماره بما هو استراتيجي ومستقبلي، وهناك مكانتنا وتأثيرنا في العالم.. كثرتُنا والغُثاء!
ما سبق هي مصادر وموضوعات وتحديات ترسل صرخات ونداءات واستغاثات تعنينا وتتلبسنا بالمفرد والجمع، شئنا أم أبينا. إنها تشكل نقاط ضعفنا واختلال بنيتنا وأوضاعنا على الصعيد العربي بشكل عام، وتكريس وجودها القبيح والمدمر وعدم إنتاج وانبثاق نقيضها المرتجى يجعلنا في المحصلة في الموقف الضعيف والعاجز إزاء إسرائيل وحلفائها وخاصة الولايات المتحدة التي لا يمكن أن تضغط على إسرائيل إذا لم "نضغط" على الولايات المتحدة بوزن اقتصادي وسياسي وعسكري وإعلامي وحضاري انطلاقاً من مفهوم القوة الشامل، وإذا لم يشكل العرب كتلة اقتصادية سياسية إقليمية يكون لها تأثيرها وحضورها في المشهد العالمي.
إن العاجز يلجأ إلى وسائل عاجزة، وعجزنا هو الذي يجعلنا كفلسطينيين وعرب نلجأ، غالباً، إلى وسائل عاجزة، كالاحتجاج والمناشدة والطلب من العالم ومن الولايات المتحدة الضغط على إسرائيل للانصياع إلى القرارات الدولية وإلى متطلبات السلام، بأن تنسحب من الأراضي العربية المحتلة.. بأن توقف الاستيطان والمصادرة.. بأن تكف عن الحفريات وتهديد الأقصى.. بأن تطلق سراح الأسرى...
في عالم لا يحترم إلا الأقوياء، ليس هناك من قِبَل العرب ما يُرغم، أو يغري الولايات المتحدة والغرب والعالم للضغط على إسرائيل. وكل المناشدات والمطالب التي تصدر من وضعية العجز ستذهب أدراج الرياح ولن تعدو عن كونها علامة على بؤسنا وهواننا.
في الماضي كانت: "وامعتصماه"!
والآن: واأمَّتاه.. واعرباه.. واإسلاماه.. واثورتاه.. وافصائلاه.. واحماساه.. وافتحاه.. واسلطتاه.. واقيادتاه..
وا.. وا.. وا..
واخجلاه ممن ينجذبون إلى الكراسي.. لا إلى زيتون البلاد!
***
إن وجود آلاف الأسرى الفلسطينيين والعرب في السجون الصهيونية، واستطالة مدة الأسر لبعضهم لعقود، ومن بينهم نساء وأطفال، والمعاناة الشديدة التي يعانون والأمراض الكثيرة التي تنخر أجسامهم، واستهتار إسرائيل بحقوقهم وأوضاعهم، كل ذلك يدل على أننا كفلسطينيين بشكل خاص وعرب بشكل عام لم نشكل بعد قوة كافية تضغط على العدو وترغمه لا على تحسين شروط الأسر والاعتقال، بل تجعلنا قادرين على فرض (تبييض السجون) وانتزاع أسيراتنا وأسرانا من ظلمة سجونه وبطش جلاديه ليعودوا إلى النور والحرية وإلى أحضان أهلهم وشعبهم.
أليس هذا الأسر في السجون الصهيونية جزءاً من أسر أكبر نعيشه في إرادتنا وسلوكنا وعلاقاتنا وأوضاعنا؟!
أليس الأسرى وأوضاعهم نتائج لمقدمات صنعها العدو نفسه ونتائج لمقدمات مسؤولين نحن عنها وصنعناها بأنفسنا؟! أليست هذه النتائج من تلك المقدمات؟!
ألسنا مقصرين بأوضاعنا وأدائنا، شعوباً وحكومات ومؤسسات من المحيط إلى الخليج، في نصرة الأسرى وتحريرهم؟!
الذي يُقصِّر في تحرير الأرض والمقدسات يُقصِّر في تحرير الأسرى!
أَتخمْنا شعوبنا بشعارات وخطابات وما زالت جائعة.. وعطشى، إلى الخبز الكريم.. والمياه النظيفة.. والهواء النظيف.. والمسسؤول النظيف، جوعى وعطشى إلى الاحترام.. والانتصارات.. والكرامة!
الأسيرات جزء من آلاف الأسرى، بمعاناتهم وأمراضهم واحتراق أعمارهم، والأسرى عموماً هم جزء من ميزان قوى بيننا وبين العدو، ميزان قوى، يجب الاعتراف، بعيداً عن الجهل والمكابرة، أنه مختلٌّ لصاح العدو الصهيوني.
فَرِحْنا لتحرير 20 أسيرة من حرائر فلسطين، فَرحِْنا لأن فاطمة الزق هي وطفلها يوسف أصغر أسير في العالم قد خرجا إلى النور، لكن هناك33 أسيرة لا يزلن في سجون الاحتلال حسب نادي الأسير الفلسطيني، هن جزء من عدد الأسرى الإجمالي في السجون الإسرائيلية البالغ 8200 أسير حسب عبد الناصر فروانة الخبير بشؤون الأسرى (وهو رقم يزيد وينقص)، من بينهم 25 حالة سرطان حسب وزير شؤون الأسرى عيسى قراقع (وهذه عينة لمرض واحد)...
بالرغم من حصول عمليات وصفقات تبادل في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وحصول صفقات في السنوات الأخيرة بين منظمات فلسطينية والعدو وبين حزب الله والعدو، وحتى لو حصلت الصفقة الأكبر التي ينتظرها الكثيرون بشأن إطلاق سراح شاليط مقابل إطلاق عدد غير معروف حتى الآن من الأسرى والأسيرات وغير معروفة أحكامهم وهل ستشمل الصفقة عملياً جميع الأسرى القدامى ومن كل التوزعات الجغرافية الفلسطينية (منطقة 48، القدس، الضفة، والقطاع) إلا أنه من الوهم الاعتقاد بأن ملف الأسرى سيغلق نهائياً في الوقت القريب.
مع قيام إسرائيل عام 1948 على جزء من فلسطين ظهر موضوع السجن والاعتقال والأسر بالنسبة لشعبنا الفلسطيني (وكذلك بالنسبة لجيوش وشعوب دول عربية).
صحيح أن الاعتقالات زادت وتزايد عدد المعتقلين والأسرى بعد احتلال عام 1967، إلا أن النظر فقط إلى احتلال الضفة والقطاع عام 1967 والنظر فقط إلى الأسرى بعد عام 1967 هو خطأ فادح وظلم كبير، لأن في ذلك تجاهل لما قبل عام 1967، أي تجاهل فلسطين عام 48 وعرب 48 أي تجاهل لجزء من الوطن الفلسطيني ولجزء من الشعب الفلسطيني، تجاهل لمعاناة وعذاب وقهر أهلنا الذين بقوا في بيوتهم وعلى أرضهم فور حدوث النكبة، وهو تجاهل كفاح ونضال شعبنا داخل فلسطين المحتلة وفي عقر الكيان الصهيوني، من خلال صيغ سياسية تنظيمية كالحزب الشيوعي الإسرائيلي وحركة الأرض وحركة أبناء البلد، وغيرها من الصيغ التي نشأت قبل عام 67 وبعد ذلك.
إن إيضاح ما ورد أعلاه أمر في غاية الأهمية، لأن أهلنا وشعبنا في فلسطين المحتلة عام 48 قد تم ظلمهم من الأعداء ومن الأشقاء، وعندئذ تبرز المرارة التي يشير إليها الشعر العربي " وظلم ذوي القربى أشد مضاضة...
إن شعبنا في فلسطين المحتلة عام 1948، الذي ظُلم سياسياً وإعلامياً وإبداعياً ونقدياً على يد أشقاء له، يُظلم الآن، ومنذ سنوات، في ما يتعلق بأسراه وضرورة الاهتمام بهم وتحريرهم وشملهم في صفقات التبادل، وكأنهم ليسوا من الأسرى، كأنهم لا ينتمون إلى شعبنا، بل إلى شعب من جزر الواق واق، أو أنهم من كوكب آخر، وكأن الأسرى هم فقط أسرى الضفة والقطاع، وهذا ينطبق كذلك على أسرى القدس المنسيين أيضاً. هذه ليست قضية بسيطة، بل هي امتحان سياسي وأخلاقي لنا، وخصوصاً لقيادتنا ولإعلامنا. فمن غير المقبول على الإطلاق أن تكون قضية حمل أهلنا في فلسطين المحتلة عام 48 وأهلنا في القدس للهوية الإسرائيلية (وكأنهم اختاروها أو أنهم سعداء بها!) مبرراً ورخصة لنا لتجاهلهم أو للتقاعس أو للتنصل من واجباتنا نحوهم، لأن في ذلك ظلم لهم وقبول بتجزئة شعبنا ورضوخ للعدو وتسليم بأن عرب 48 وعرب القدس هم من "شؤونه الداخلية" ولا يجور لنا أن نتحدث باسمهم أو نطالب بحقوقهم!!
إن الجهل ليس فضيلة. ويمكن أن يكون النسيان عادة. ولكن تبرز الخطورة في التناسي وفي التجاهل واعتياد الظلم.
وعودة إلى الأسرى وتحريرهم. لقد دخل السجون الإسرائيلية مئات الألوف من شعبنا، ولن تنتهي هذه السجون ولن تخلُ من أسرى فلسطينيين (وعرب وربما أجانب مناصرين لقضيتنا) ما دام الاحتلال الإسرائيلي سائداً، وما دامت نكبتنا مستمرة وما دامت المقاومة قائمة. انتصارنا في موضوع الأسرى وتحريرهم بشكل نهائي لا يمكن أن يتم إلا بدحر الاحتلال نهائياً. وجود الاحتلال واستمرار الصراع ونشوء المقاومة واستمرارها لمواجهة الاحتلال هي العناصر الموضوعية التي على أساسها ينشأ موضوع الأسر والأسرى. وحتى لو تم تحرير عدد من الأسرى وحتى لو أفرج العدو عن بعض الأسرى لأغراض معينة وفي أوقات معينة، فسيقوم باعتقالات جديدة بل يمكن أن يعاد اعتقال أسرى وأسيرات سابقين إضافة إلى اعتقال مواطنين جدد.
الذي يجعل عشرات الأسرى تستطيل إقامتهم وراء القضبان لأكثر من 20 و25 عاماً ويجعل نائل البرغوثي يقضي في غياهب السجون 32 عاماً حتى الآن هي استطالة الاحتلال الإسرائيلي واستطالة نكبتنا، هذه الاستطالة الناتجة بدورها عن استطالة تخلفنا وتمزقنا وهزالنا وعدم الارتقاء، بالرؤية والبناء والأداء، إلى مستوى الصراع.
المسألة هي هل، وإلى أي مدى، نعتبر إسرائيل ومن يساندها أعداءً لنا، وهل نضع في فكرنا واهتماماتنا وجدول أعمالنا وأولوياتنا وإعدادنا لجيوشنا الصراع معها وخوض القتال ضدها وضرورة إلحاق الهزيمة بها، أم أننا نضع في فكرنا ورؤيتنا ونفسيتنا وسلوكنا التسليم بوجودها والخضوع للتسوية والتعايش والتطبيع معها؟!
هل نصارع العدو أم نصالحه؟! تلك مسألة مبدئية، جوهرية، ونقطة انطلاقا لما بعدها.
فهل نتمثل قول محمود درويش "الوطن هو الصراع، إذا صارعتَ انتميتَ"، وهل نتملك اللياقة السياسية والأخلاقية لعبارة أمل دنقل "لا تصالح" ؟!
من الغباء عدم التفريق بين التسوية والصراع، بين التكتيكي والإستراتيجي، بين العابر والدائم، ومن العمى والتعاسة والتبديد والتفريط عدم رؤية جذور الصراع، ومن البؤس الارتهان إلى اللحظة وتجاهل السياق، ومن المضحك المبكي الظن بأن إقدام العدو على إطلاق سراح بعض أسرانا في ظروف معينة وأوقات معينة، أو الظن بأن عقد صفقة أو صفقات تبادل للأسرى مع العدو، ومع عدو استعماري عنصري اقتلاعي كالعدو الصهيوني يجعل هذا العدو يكف عن كونه عدواً!
***
بماذا نضغط على العدو حتى يطلق سراح أسرانا؟!
بالمفاوضات ثم المفاوضات ثم الموافضات واتخاذ شعار "الحياة مفاوضات"؟! بمناشدة العالم والمؤسسات الحقوقية والإنسانية الدولية؟! من دون ضغط على العدو وحلفائه بثرواتنا.. وعلاقاتنا.. وجيوشنا.. ووزننا ومقاومتنا والقيام، بشكل جاد ومثابر، بأسر أكبر عدد ممكن من أفراد العدو؟!
هل نهزم العدو بمقاتلته، أم بفضحه ووصفه فقط؟!
كأن الصهاينة يكترثون بفضحنا وتوصيفنا لهم! كأننا لم نستوعب القاعدة المنهجية التي ينطلقون منها: دع العرب والعالم يقولون ما يريدون، المهم ما يفعله اليهود وإسرائيل!
عدونا المجرم.. الهمجي.. عدونا الجبان.. العدو الخائن ! ( "العدو الخائن" ؟!.. قالها "مسؤول" في فصيل فلسطيني..أحد "الأبوات" الذي استمرأ الخفة، كان يلصق تهمة الخيانة بخصومه ومنافسيه، بمناسبة وبغير مناسبة، ففقد المسكين حاسة التمييز، لم يعد يسيطر على لسانه وارتكب هذه "الزلة"!)
عدونا أل .. عدونا أل.. عدونا أل ... قتلْنا عدوَّنا وصْفاً.. وما زال حيَّاً!!
هؤلاء أسرى لدى العدو: آلاف المناضلين والمناضلات في السجون أسرى، الأقصى والمقدسات أسيرة، وطننا أسير، شعبنا تحت الاحتلال كله أسير، شعبنا في الشتات والمنافي أسير الغربة والحنين، حقوقنا أسيرة.. فهل يمكن أن "يطلق" الصهاينة كل هؤلاء الأسرى عن طيب خاطر، أو بدافع الإنسانية، أو وخز الضمير؟! هذا هراء.. وكلمة "يطلق" في هذا السياق لا تفي بالغرض وليست ملائمة على الإطلاق.
أعداؤنا العنصريون، الإقصائيون، الذين يقتلون ويجرمون ويلبسون دوماً ثوب الضحية و"يحتكرون" الألم البشري، لن يقوموا بـ "إطلاق" سراح شعبنا وأرضنا ومقدساتنا وحقوقنا كمن يطلق الحمام الأبيض!
الحرية.. والسيادة.. والكرامة.. والأسرى والأسيرات أشياء وقضايا وكائنات لا تعطى.. بل تنتزع انتزاعاً!
من يريد النضال يناضل، بأحدث الأسلحة وبأبسطها.. المهم الإيمان والرؤية والإرادة.
- حزب الله في حرب تموز 2006 تغلَّب على إسرائيل بالسلاح واختراق الاتصالات والحرب النفسية، وقبل كل شيء بالإيمان المترافق مع "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة"..
- منتظر الزيدي، الفرد، ضرب بوش ورفع رأس أمته بحذاء!
- فارس عودة أرغم دبابة إسرائيلية على التراجع بقبضته الصغيرة فأصبح رمزاً يفوق في رمزيته كافة الفصائل الفلسطينية. وأعطى صورة أبهى من كل القيادات الفلسطينية التي لم تبرهن حتى الآن على أنها بمستوى آلام وآمال شعبنا، وتبرهن أن مصيبة شعبنا في قيادته، لأنها قيادة وقيادات:
- لم تتعلم بعد إحصاء وتنظيم وتفعيل قدرات وكفاءات شعبها في الوطن وفي أربع رياح الأرض.
- لم تتعلم التواضع أمام تضحيات وعطاءات شعبها.
- لم تتعلم احترام عقل وثقافة وتراث وخبرة شعبها.
- لم تتعلم أن شهادة حسن السلوك لا يمكن أن تأخذها إلا من شعبها!
- لم تتعلم من تجارب ودروس الشعوب الأخرى.
- لم تتعلم حق شعبنا في التوحد والتراص والتمركز على القضايا الكبرى، على الوطن والحرية والكرامة، ولم تتعلم حقه في أن يكون له قيادة صادقة، مثقفة وعلمية، شجاعة وكفاحية تقوده بكفاءة واقتدار إلى النصر والعودة!
***
أجل، فَرِحْنا لتحرير 20 أسيرة، ومن حقنا أن نفرح. لكن من واجبنا أيضاً أن نفكر ونعمل لأجل الآلاف من الأسرى والأسيرات الذين لا يزالون خلف القضبان، زادهم (وزاد أهاليهم) الإيمان.. والأمل.. والفرح المؤجل!
.. من واجبنا أن نوفر مقدمات أخرى لنتائج أخرى..
يقول زكريا تامر: "من يزرع كلاباً لن يحصد سوى النباح"..
ويقول غسان كنفاني: "إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية فالأجدر بنا أن نغير المدافعين لا أن نغير القضية"..
من واجبنا ألا تعمينا اللحظة عن التفكير في سياق مختلف، من أجل شراء كرامة.. وشراء أُفق!
حقاً، من المعيب على هذه الأمة بشعوبها ودولها وجيوشها وجنرالاتها أن يكون لها في سجون العدو هذه الآلاف من الأسيرات والأسرى مقابل أسير واحد من العدو، فخرٌ واحد وشاليط واحد، بينما تأكل أمتنا صبح مساء الكثير من الإهانات والشلاليط!
*أسير سابق ومبعد ومقيم في دمشق