|
|
الأسرى العرب: إهمال طبي وحقل تجارب!
د.عدنان جابر
ما حدث مؤخراً للأسير السوري البطل سيطان نمر الولي، الذي تم استئصال كليته اليمنى في أحد المستشفيات الإسرائيلية يوم الإثنين 12 أيار 2008 وتدهور حالته الصحية وإصابته بمرض السرطان لدرجة تهدد حياته بعد 23 عاماً في الأسر، ما هو إلا مثال واحد لما حدث ويحدث مع آلاف الأسرى العرب الذين يعانون من أمراض مختلفة بسبب ظروف الإعتقال في السجون الإسرائيلية، والإهمال الطبي المتعمد، وكذلك بسبب ما تجريه سلطات الإحتلال من تجارب طبية على الأسرى، في انتهاك لكل المواثيق والأعراف الدولية.
الأوضاع المأسوية التي يعيشوها الأسرى العرب في سجون العدو الإسرائيلي، من حيث ظروف السجن وسياسة الإعتقال المتبعة والإهمال الطبي، تجعل من الأسرى الأصحاء مرضى، وتجعل المرضى منهم يزدادون مرضاً وصحتهم تزداد تدهوراً.
ولا بد من التأكيد أن هناك أسرى قد يعانون من أمراض بسيطة يسهل علاجها ووضع حد لها إذا تم العلاج في وقته وتلقى الأسير الرعاية والإهتمام الطبي اللازم، غير أن الإهمال الطبي المتعمد من قبل سلطات السجون الإسرائيلية وأجهزتها الطبية، تجعل من الحالة الطبية السهلة حالة صعبة، ومع الإهمال المتعمد وطول فترة الإعتقال والتراكم تصبح الأمراض مزمنة ومستفحلة، وتنشأ الأمراض الخبيثة (العضال)، ما يؤدي إلى تهديد حياة الأسير والوفاة.
الأوضاع الصحية في سجون الإحتلال خطيرة واستثنائية قلما شهدتها سجون أخرى في العالم. إن كافة الأسرى العرب في السجون الإسرائيلية وبدون استثناء يعانون من أعراض مرضية مختلفة، وبدرجات متفاوتة. ومن بين أكثر من 10 آلاف أسير يتواجدون الآن في السجون الإسرائيلية، وبضمنهم فتيات وأمهات وقاصرون وأطفالٌ رُضَّع، هناك حوالي 1500 أسير يعانون من أمراض تحتاج الى رعاية خاصة وإلى علاج وأدوية غير متوفرة داخل السجون.
تنتشر لدى الأسرى أمراض القرحة، الظهر، العظام، الأسنان، الجلد، القلب، الرئة، الغضروف، المفاصل، ضعف النظر (وهناك أسرى فقدوا البصر) ، الضغط، السكري، فقر الدم، والشلل... وهناك أسرى مصابون بأمراض فيروسية، وبمرض السرطان متعدد الأشكال، وهناك من هم مصابون بأمراض عقلية ونفسية بسبب التعذيب وسياسة الإعتقال التي تتبعها إدارة السجون الإسرائيلية.
الأسرى القدامى على وجه الخصوص الذين مضى على اعتقالم سنوات طوال تجاوزت 20 عاماً و25 عاماً و30 عاماً، هؤلاء الأسرى وكبار السن والجرحى المصابون برصاص العدو أثناء الإعتقال يعانون من أوضاع صحية غاية في السوء وهم بحاجة لعمليات جراحية عاجلة لإنقاذ حياتهم، فيما لا زالت ادارة السجون الإسرائيلية تعالجهم بحبة الأكامول السحرية (مثل حبة الأسبرين) التي يصفها الأطباء والممرضون الإسرائيليون لجميع الأمراض على اختلافها ومدى خطورتها، وهذا ليس جهلاً منهم بتشخيص الأمراض أو نقصاً بالإمكانيات والموارد الطبية الإسرائيلية، وإنما سياسة منهجية صهيونية متعمدة، من أجل تحطيم وقتل الأسرى جسدياً، بعد أن عجزوا عن تحطيمهم وقتلهم فكرياً ومعنوياً.
منذ العام 1967 ولغاية اليوم ، قضى من بين الأسرى العرب 195شهيداً، على النحو التالي:
ـ 70 أسيراً استشهدوا نتيجة التعذيب.
ـ 70 أسيراً استشهدوا نتيجة القتل المتعمد بعد الإعتقال.
ـ 7 أسرى استشهدوا داخل السجون والمعتقلات نتيجة اصابتهم بشكل مباشر برصاص حي من اسلحة نارية.
ـ 48 استشهدوا نتيجة الإهمال الطبي.
ويضاف إلى هؤلاء قائمة طويلة بالمئات من الأسرى السابقين الذين إستشهدوا بعد التحرر بأيام أو شهور أوسنوات بسبب آثار التعذيب والسجن والأمراض وسياسة الإهمال الطبي المتبعة في السجون الإسرائيلية، كما حصل مع العديد من الأسرى ومنهم الأسير السوري الشهيد هايل أبو زيد.
إن السياسة الإسرائيلية الإجرامية إزاء الأسرى العرب لم تقتصر على سياسة الإهمال الطبي المتعمد، بل امتد الإجرام إلى استخدام الأسرى كحقول لتجارب بعض الأدوية. وقد كشفت عضو الكنيست الإسرائيلي ورئيس لجنة العلوم البرلمانية سابقاً "داليا ايزيك" النقاب في تموز 1997 عن وجود ألف تجربة لأدوية خطيرة تحت الإختبار الطبي تجري سنوياً على الأسرى الفلسطينيين والعرب، وقالت في حينه أن بين يديها وفي حيازة مكتبها ألف تصريح منفصل من وزارة الصحة الإسرائيلية لشركات الأدوية الإسرائيلية الكبرى لإجراء ألف تجربة دوائية على أسرى فلسطينيين وعرب داخل السجون الإسرائيلية. كما كشفت "آمي لفتات" رئيس شعبة الأدوية في وزارة الصحة الإسرائيلية أمام الكنيست في ذات الجلسة، أن هناك زيادة سنوية قدرها 15% في حجم التصريحات التي تمنحها وزارتها لإجراء المزيد من تجارب الأدوية الخطيرة على الفلسطينيين والعرب في السجون الإسرائيلية كل عام.
إن هذا يعني أن الأمور تسير باتجاه توسيع الجريمة وتزايد عدد المعرضين لها، وليس العكس، وبغطاء "قانوني" وبواسطة وزارة الصحة الإسرائيلية التي تمارس الإشراف والمتابعة وإعداد الدراسات العلمية حول مدى استجابة الأسرى للأدوية والحقن والمواد الكيميائية التي يتعرضون لها، وأن هذه الممارسات تعكس وبصورة واضحة مقدار العنصرية التي يشهدها النظام الإسرائيلي، إذ أن استخدام الأجساد البشرية عنوة دون معرفة الشخص المعني لأغراض التجارب، يعد تجاوزاً خطيراً لإنسانية الإنسان وانتهاكاً لكرامته، واعتداء على حقه في الحياة وامتهاناً لكرامته.
هناك أسرى وأسيرات حُقنوا بإبر لم يروها من قبل، أدت لتساقط شعرهم، وهناك من فقدوا أبصارهم، من يعانون من العقم وعدم القدرة على الإنجاب، وهناك من فقدوا عقولهم وتدهورت حالتهم النفسية كما حدث مع الثائر الياباني كوزو أوكاموتو...
إذا كان الحديث يدور عن ألف تجربة قبل أكثر من عشر سنوات، وزيادة مقدارها 15% سنوياً، فاليوم يدور الحديث عن أكثر من 3 آلاف تجربة سنوياً، مع التزايد الكبير لأعداد الأسرى. هذه الجرائم التي تمارسها إسرائيل تتناقض بشكل فاضح مع كافة المواثيق والأعراف والإتفاقيات الدولية، وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة في مادتها الثالثة عشر من الباب الثاني التي تقول:
"يجب معاملة أسرى الحرب معاملة إنسانية في جميع الأوقات ويحظر أن تقترف الدولة الحاجزة أي فعل أو إهمال غير مشروع يسبب موت أسير في عهدها، ويعتبر انتهاكاً جسيماً لهذه الإتفاقية، وعلى الأخص لا يجوز تعريض أي أسير حرب للتشويه البدني أو التجارب الطبية أو العلمية من أي نوع كان مما لا تبرره المعالجة الطبية للأسير المعني أو لا يكون في مصلحته".
ولا يقتصر الأمر على الأسرى داخل الأسر، بل تمتد آثاره إلى ما بعد التحرر أو الخروج من الأسر، وهذا ما أكدته بعض الدراسات العلمية التي أثبتت أن الأمراض التي بدأت تظهر على الأسرى السابقين لها علاقة بالسجن وأمراضه وسياسة الإهمال الطبي المتعمد، بمعنى أنه من المحتمل أن آثار المواد التي تستخدم في تلك التجارب، بالإضافة إلى آثار سياسة الإهمال الطبي التي تفاقم الأعراض ومع الوقت تصبح مزمنة ومستعصية، هي السبب في وفاة المئات من الأسرى السابقين بعد تحررهم.
على ضوء معاناة الأسرى على الصعيد الصحي، ينبغي على مؤسساتنا منح جميع الأسرى المحررين الحق بإجراء فحوصات طبية كاملة وشاملة وبصورة دورية، للتأكد من خلوهم من الأمراض، أو اكتشاف بداية المرض قبل استفحاله، وتحديد درجة خطورته، وتوفير العلاج اللازم، مع توفير حياة كريمة للأسير، تتناسب مع معاناته الفظيعة وتضحيته الهائلة في سبيل وطنه وشعبه.
لقد بات من الضروري فتح الملف الطبي للأسرى الفلسطينيين والعرب في السجون الإسرائيلية على الصعيد الدولي، ومحاكمة إسرائيل على جرائمها بحق الإنسانية واستهتارها بحقوق الأسرى، وضربها بعرض الحائط أبسط المبادىء الإنسانية والدولية.
إن ما حدث ويحدث لمئات الأسرى والأسيرات، وآخرهم الأسير البطل سيطان الولي، يكشف حقيقة ساطعة ومريرة هي: الموت حق، ولكن.. إن حياة آلاف الأسرى في خطر، هناك من استشهدوا وهناك من هم مرشحون للشهادة، وعلى جهودنا، وجهود المعنيين بحياة هؤلاء المناضلين في سبيل الحرية، القابعين خلف القضبان والظلام، تعتمد نسبة اللذين سيبقون على قيد الحياة، ونسبة اللذين سترسلهم جرائم إسرائيل.. إلى القبر!
يكفي هؤلاء الأسرى سنواتهم الطويلة خلف القضبان، يكفي حرمانهم الطويل متعدد الأشكال والألوان، وواجبنا الوطني والقومي والإنساني هو أن نعمل على تحريرهم من القضبان ومن المرض، حتى يعيشوا ما تبقى لهم من حياة.. وحتى لا يتبدد شوق الأمهات إلى فرح.. وأن يكون للأسير عرس.. لا جنازة !!
المصادر:
1- فلسطين خلف القضبان.
2- مركز الأسرى للدراسات.
3- نادي الأسير الفلسطيني.
4- تجمع الجولان السوري.
اضغط هنا للإطلاع على تقرير من اعداد عبد الناصر فروانة ذات صلة بالموضوع :
إسرائيل تواصل استخدام الأسرى كحقل تجارب للأدوية