أن تكون جريحاً أسيراً !
جرحى.. ومسعفون.. وإسعاف
*د. عدنان جابر
حدث، ويحدث، وسيحدث، ما بقي الاحتلال جاثما، أن يسقط فلسطيني، مضرجاً بدمائه، لكن لم يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد، فتهرع سيارة إسعاف فلسطينية لإسعافه، فتمنع قوات الاحتلال وصولها، ويبقى الجريح الفلسطيني ينزف على الأرض، نزيفاً غزيراً، أو نزيفاً طويلاً، قطرة قطرة، حتى تصعد الروح إلى السماء.
***
حدث، ويحدث، وسيحدث، ما بقي الاحتلال جاثماً وسافلاً، أن "يتصارع" الجنود الصهاينة والمسعفون الفلسطينيون على الجريح الفلسطيني، ولأن الجنود الصهاينة مسلحون بالرصاص والقنابل والمسعفون الفلسطينيون "مسلحون" بالمصل والأكسجين، تكون الغلبة غالباً للجنود، الذين ينتزعون الجريح، وقد يعيدونه في حالة واحدة، إذا تأكدوا أن الجريح قد فارق الحياة، أي غدا شهيداً. لا مشكلة إذا كان الفلسطيني ميتاً، فالعربي الجيد ـ بقناعتهم ـ هو العربي الميت!
***
حدث، ويحدث، وسيحدث، ما بقي الاحتلال جاثماً وسافلاً ومجرماً ، أن يجري طبيب عملية جراحية تحت حراب الجنود !
***
حدث، ويحدث، وسيحدث، ما بقي الاحتلال جاثماً وسافلاً ومجرماً وهمجياً ، أن يصاب الفلسطيني بجراح فيعمد جندي صهيوني إلى الإجهاز عليه، قتلٌ عمد، عملية إعدام قد لا تراها عين الكاميرا، لكن تراها عين الله !
***
إنها معركة شرسة تلك التي تجري على الجريح ومن أجل الجريح، بين جنود العدو الصهيوني من جهة، وسائقي الإسعاف، والمسعفين، والأطباء، والممرضين والممرضات الفلسطينيين، ومعهم أهل الجريح الفلسطيني والمواطنين، من جهة أخرى.
في فلسطين، هنالك أبطالٌ مجهولون أعمالهم عظيمة، من بينهم المراسلون والمصورون ، ومن هؤلاء أيضاً: المسعفون، سائقو الإسعاف، الأطباء، الممرضون والممرضات، لهم ننحني إجلالاً وإكباراً.
1- الطبيب باروخ غولدشتاين.. و.. القاضية نوغا أوهاد !!
يشكل باروخ غولدشتاين، منفذ مجزرة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل في 15 رمضان 1414هـ 25 شباط 1994، يشكل مفارقة إنسانية صارخة، وخاصة في ما يتعلق بأخلاق المهنة.
المفارقة هي أن هذا المجرم طبيب، ونحن نعرف أن واجب الطبيب أن يساعد على الحياة، لا أن يقتل الحياة، ولهذا وُجِدَ "قسم أبقراط".
وهنالك مفارقة فاقعة أخرى "تتحفنا" بها الصهيونية وممارساتها. القاضية الإسرائيلية نوغا أوهاد ترى بأنه لا يحق لأسير فلسطيني تلقي علاج طبي.
الأسير أحمد يوسف محمود التميمي (45 عاماً)، من رام الله، طالبَ بواسطة المحامية يوني ليرمن من "أطباء لحقوق الإنسان"، بأن يتم فصل هذه القاضية ، على خلفية تفوهها بأنها "تشك في حقه تلقي علاج طبي ".
الأسير التميمي – وهو متزوج وأب لثلاثة أطفال – اعتقل في11-11-1993 وتم الحكم عليه بالسجن المؤبد في يوليو تموز عام 1994.
ومنذ العام 2001 وهو يرقد في مستشفى مصلحة السجون، بعد مرضه. ويعاني الأسير من فشل كلوي، وهو بحاجة إلى علاج ثلاث مرات في الأسبوع والى زرع كلية، حيث استعد ابن أخيه بالتبرع له بكلية، بعد فحوصات مستمرة أكدت أنه ملائم، إلا أن مصلحة السجون رفضت الاستجابة.
في سبتمبر-أيلول عام 2005 وافقت مصلحة السجون ، بشرط أن تدفع العائلة مبلغ 100 ألف دولار (تكلفة العملية 90 ألف دولار) ، وذلك بصورة مناقضة للقانون الذي يمنح كل أسير في السجون حق إجراء عملية زرع بدون مقابل.
وقد قدمت منظمة "أطباء لحقوق الإنسان" التماسًا بهذا الخصوص، تم التداول فيه في 28 كانون الأول عام 2005، حيث سألت القاضية "كم شخصًا قتل التميمي؟"، وعبرت عن رأيها في هذه القضية أن هناك علاقة بين رفض إسرائيل علاجه وبين ما قام به التميمي !!
وصرحت القاضية: "الحديث عن أسير أمني جاء ليمس بقدسية الحياة، قتلٌ على خلفية أمنية. السؤال المبدئي الذي يجب أن يطرح هنا، هل من جاء ليمس بنا يجب علينا أن نموِّل له زرع كلية" !!
2- إطلاق نار على أسير من مسافة صفر !
أدلى الأسير الفلسطيني أمين احمد طاهر عامر بتصريح مشفوع بالقسم لمحامي نادي الأسير إياد محاميد عن تعرضه لإطلاق نار من مسافة صفر لحظة اعتقاله على يد جنود الاحتلال الإسرائيلي.
وجاء في شهادة الأسير انه وبتاريخ 17/5/2006 كان في زيارة لصديقه مصطفى عبد الغني في مدينة نابلس وفجأة سمع هو وصديقه إطلاق نار قرب البيت فهرب كل واحد منهما إلى جهة. وعند محاولته الهرب حاول تسلق السور المحيط في المنزل الذي كان يتواجد به فأصيب برصاصة في رجله اليسرى ووقع على الأرض.
أحد الجنود جاء إليه ووقف فوقه وهو ملقى على الأرض وأطلق النار عليه من مسافة صفر، حيث أصيب في يده اليمنى وفي الجانب الأيمن من صدره. ويضيف الأسير قائلاً انه وبعد الإصابة رأى صديقه مصطفى عبد الغني ملقى بجانبه دون حراك.
3- المسعف يحتاج إلى إسعاف !
أصيب ضابط الإسعاف الفلسطيني فراس خضر بعيار ناري في قدمه أثناء نقله أحد الجرحى خلال توغل نفذته قوات الاحتلال في نابلس. أطلق الجنود النار بصورة مباشرة، من مسافة قصيرة، صوب طاقم الإسعاف التابع للجان الرعاية الصحية.
وفي مستشفى بلنسن، مكبل اليدين والقدمين مشدودا بقيوده إلى السرير، رقد الأسير المُسعف إيهاب خميس هاشم منصور، من سكان مخيم بلاطه والذي أصيب بتاريخ 23/2/2006 اثر الاشتباكات التي أعقبت اقتحام قوات الاحتلال للمخيم.
الحراسة الإسرائيلية رفضت فك قيود المسعف.. بدواعٍ أمنية !
4- جراحة تحت الحراب !
أضطر الجراح الفلسطيني محمود الحسيني، أن يجري عملية جراحية لإنقاذ حياة جريح في الوقت الذي ازدحم مستشفى نابلس التخصصي بعشرات الجنود الذين اقتحموه لاعتقال جريح سابق مطلوب لقوات الاحتلال.
الحسيني الذي استدعته قوات الاحتلال للتحقيق معه حول الجريح أحمد سناكرة (20 عاما) من مخيم بلاطة، الذي أجرى له عملية جراحية قبل اقتحام المستشفى، وجد نفسه يسارع لإجراء عملية أخرى لإنقاذ حياة منجد علاونة، الذي أصابه الجيش حين اقتحم المستشفى.
وكان الحسيني قد أجرى جراحة في يدي سناكرة، قبل أن تقتحم أكثر من 15 آلية عسكرية وسيارة إسعاف إسرائيلية المستشفى للتفتيش عنه.
المرضى الذين أصابهم الرعب، لم يجدوا سوى الصمت والدهشة، بينما استعان الأطفال بالبكاء والصراخ عند رؤية الوجوه السوداء المدججة بالسلاح، تقتحم الغرف وتفتش بين شراشف الأسرة عن جريح تحت التخدير.
أصيب أحمد سناكرة في يديه لتكون تلك الإصابة العاشرة في جسده منذ بدء الانتفاضة، ويعتبر هربه من المستشفى وهو لم يزل تحت تأثير المخدر معجزة، له ولرفاقه الذين فروا من المستشفى بفارق دقائق من اقتحام المستشفى.
5- تصفية.. وعمليات إعدام !
قال الأسير الفلسطيني مراد أبو ساكوت، من مدينة الخليل، المعتقل في مستشفى سجن الرملة ومصاب بسرطان الرئة لمحامية نادي الأسير حنان الخطيب انه يتهم حكومة إسرائيل بتصفية الأسير الفلسطيني عبد الفتاح رداد من طولكرم الذي سقط شهيداً في المستشفى يوم 5/5/2005 وقال أبو ساكوت أن الأسير الشهيد وصل مستشفى الرملة وهو مصاب فقط في رجله، وكان يقظاً ووضعه جيد جداً، وبقي يومان في المستشفى وفي اليوم الثالث أخذوه إلى التحقيق وبعد عودته أصبح يعاني من أوجاع في البطن وخلال الليل بدأ يتقيأ وكأن هناك انفجار داخل بطنه، فقاموا بنقله إلى مستشفى "أساف هروفيه" وفي الصباح علمنا انه استشهد.
ويُذكر أن (183) أسيراً استشهدوا بسبب التعذيب، أو القتل العمد بعد الاعتقال، أو الإهمال الطبي، من بينهم الأسير سليمان محمد محمود درايجة، الذي استشهد بتاريخ 26 /4/2006 في سجن "هشارون" نتيجة للإهمال الطبي من قبل إدارة السجن. ويذكر أن الأسير الشهيد سليمان درايجة (23 عاماً)، هو من سكان الطيبة في المثلث من داخل أراضي 48، وكان قد حكم عليه بالسجن لمدة 7 سنوات.
سلطات الاحتلال صعدت في الفترة الأخيرة من سياسة إعدام الأسرى بعد الاعتقال ، حيث قتل جنود الاحتلال منذ بداية هذا العام (5) مواطنين بعد اعتقالهم أحياء،وبذلك يصل عدد شهداء الحركة الأسيرة بسبب القتل العمد بعد الاعتقال إلى (74) شهيداً ، فقد تم قتل دانيال أبو حمامة (25 عاماً)، مع رفيقه أحمد مصلح الذي قتل على الفور، استشهدا في عملية اغتيال نفذتها قوة خاصة إسرائيلية في مدينة بيت لحم.
حاول أحمد مصلح الخروج من السيارة، فأرداه أفراد الوحدة الخاصة على الفور ، بجانب سيارته، في حين أصيب أبو حمامة إصاباتٍ خطيرة في صدره وساقه، وأقدم أفراد الوحدة على تعريته من ملابسه، وجرّه نحو 50 متراً، على الإسفلت والحجارة، بينما دمه ينزل بغزارة ثم أطلقوا النار عليه بدم بارد .
طرق مختلفة للقتل
خلال انتفاضة الأقصى زادت سلطات الاحتلال من وتيرة إعدام الأسرى بعد الاعتقال بحجة بان هؤلاء الشهداء هم قنابل موقوتة ويشكلون خطراً على جنود الاحتلال ، على عكس ما يؤكد شهود العيان وأكدته العديد من مؤسسات حقوق الإنسان بل الشهداء لم يشكلوا أي نوع من الخطر على الجنود وغالبيتهم لم يكونوا يحملون سلاحاً ، وكان يمكن اعتقالهم بدون مقاومة. سلطات الاحتلال أعدمت أكثر من ( 53 ) أسيرا فلسطينياً بعد اعتقالهم خلال انتفاضة الأقصى ، حيث تتم عمليات الإعدام للأسرى بعدة طرق منها إطلاق النار على الأسير مباشرة بعد إلقاء القبض عليه من قبل الوحدات الخاصة الإسرائيلية ، أو خلال عمليات اقتحام المنازل بعد تدميرها بالقذائف والجرافات حيث تقتحمها سلطات الاحتلال لتجهز على المعتقلين الجرحى داخل تلك المنازل ، وبهذه الطريقة أعدمت قوات الاحتلال نضال أبو سعدة وأحمد كمال طوباسي وكلاهما من جنين ، حيث دمرت المنزل الذي كانا يتحصنان به ثم اقتحمته بأعداد كبيرة من الجنود وعثروا عليهما وكانا على قيد الحياة، فقاموا بإطلاق النار عليهما مباشرة بهدف القتل، ما أدى إلى استشهادهما على الفور .
كذلك تمنع قوات الاحتلال سيارات الإسعاف من نقل الأسير الجريح إلى المستشفى أو تقديم الإسعافات الأولية له بعد إصابته أثناء عملية الاعتقال ويترك الأسير حتى يموت ، وهذا ما حدث في نابلس عندما منعت سلطات الاحتلال سيارات الإسعاف والدفاع المدني من الوصول إلى المنزل الذي كان يتواجد فيه أحمد رداد لإسعافه بعد أن أطلقت الوحدات الخاصة على المنزل عدة قذائف أدت إلى اشتعال النار في الطابق الأول حيث كان يتواجد فيه الشهيد. كما يعمد الجيش الإسرائيلي أحيانا إلى إطلاق النار على الشخص المطلوب في حين انه يمكن إلقاء القبض عليه واعتقاله بسهوله، مع علم الجيش والوحدات الخاصة بأن هذا الشخص غير مسلح ولا يشكل خطراً على الجنود ، وبعد مقتله يقولون بأنه حاول الفرار أو الاعتداء على الجنود ، كما حدث مع الجريح الأسير (حازم العجلة) من بيت لحم وهو من قوات الأمن الوطني ،عندما أطلقت القوات الخاصة النار على سيارته بشكل مفاجئ على احد الحواجز بقصد القتل وكان يمكنها اعتقاله بسهولة .
وتعمد سلطات الاحتلال إلى الاعتداء على الأسير بالضرب الشديد والتنكيل به بعد اعتقاله مباشرة ما يؤدي إلى استشهاده. كما تقوم سلطات الاحتلال بعمليات اختطاف الجرحى من سيارات الإسعاف و المستشفيات وتعذيبهم وتركهم ينزفون حتى الموت .
***
صعبٌ أن تكون مريضاً أو جريحاً وبين أيدي الجلادين والمحققين. وثمة حال لا تكون فيها لا مريضاً ولا جريحاً، العدو لا يريدك مريضاً ولا جريحاً، لا يريدك "حياً أو ميتاً"، بل ميتاً.. قتيلاً.. ومعدوماً، مع التأكيد على موتك والتأكد منه، برصاصة أو رصاصات إضافية، في القلب.. وفي الرأس !
هكذا يقرر أعداؤك: لا حاجة للاعتقال أو للمحاكمة.. هكذا تكون وحيداً مع قدرك !
المصادر:
1- ياسر العقبي، "المطالبة بفصل قاضية قالت أنه لا يحق لأسير فلسطيني تلقي علاج طبي"!، "عرب 48" 16-6-2006 .
2- أسير فلسطيني يدلي بتصريح مشفوع بالقسم عن تعرضه لإطلاق نار من مسافة صفر لحظة اعتقاله. نادي الأسير الفلسطيني 4-6-2006 .
3 - غازي بني عودة، "أطلقت عليه النار أثناء نقله أحد الجرحى"، صحيفة "الأيام"، 12-7-2006 .
4- "أنصار السجين" 1-3-2006 .
5- نائلة خليل، "جراحة تحت حراب الجنود في مستشفى نابلس التخصصي"، "أمين"، 2-7-2006 .
6- أسرى مستشفى الرملة يتهمون سلطات الاحتلال بتصفية الأسير عبد الفتاح رداد. "نادي الأسير الفلسطيني" 18-5-2005 .
7- عبد الناصر عوني فروانة، "تقرير صادر عن وزارة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية"، آب 2006
* كاتب فلسطيني وأسير سابق، يقيم في دمشق .