في الذكرى الـ26 لاستشهاد الأسير "مصطفى العكاوي"

 

  

 

 

 بقلم /عبد الناصـر عوني فروانـة

رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة الأسرى

عضو اللجنة المكلفة لإدارة شؤون الهيئة في قطاع غزة

 

"الاعتراف خيانة" شعار رفعته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منذ ثلاثة عقود ونيف، وأدرجته ضمن أدبياتها ونشراتها الداخلية، ورددته قياداتها مراراً، وسمعناه من رفاقها وأعضائها كثيراً داخل السجون وخارجها.

ولم تكتفِ برفعه كـ "شعار" وإنما سعت لترجمته، وعاقبت من أخل واعترف من أعضائها و قياداتها، وشهدنا في السجون إجراءات عقابية صارمة طالت قيادات من ذوي المراتب العليا، ومع الوقت والممارسة جعلت منه منظومة وجزء أساسي من ثقافتها وفلسفتها وأحد أبرز الدروس في مدرستها الخاصة. والتاريخ ينصفها بأنها أول من وضعت فلسفة المواجهة خلف القضبان، وعززت من ثقافة الصمود في أقبية التحقيق، ومن حقها أن تفخر بما أسسته وبما حققته في هذا الصدد، وبما قدمه رفاقها من نماذج تُحتذى. لتتبعها الفصائل الأخرى على ذات النهج وتقدم نماذج مشرقة هي الأخرى.

 ومع الوقت أضحى الصمود في أقبية التحقيق "قاعدة" لدى رفاقها، فيما الاعتراف "استثناء"، وقدمت في هذا السياق مجموعة من رفاقها الأسرى شهداء في أقبية التحقيق.. فكان من أبرزهم الشهيد الأسير "مصطفى العكاوي" .

"مصطفى عبد الله العكاوي" ابن مدينة القدس المحتلة، هو واحد من الذين انتموا للثـورة من خلال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منذ نعومة أظافره، فتتلمذ على أيدي عمالقة الثورة، ودرس في مدرسة "الحكيم" وتخرج من جامعات السجون، فأحسن التعلم وأتقن الممارسة، وأجاد لغة المواجهة في غياهب السجون وزنازينها المعتمة، و في أصعب اللحظات وأحلكها، وانتصر على السجان والجلاد، حينما صمد ولم يحرك عضلة لسانه برغم ما مورس بحقه من صنوف مختلفة من التعذيب القاسي، وفضّل الاستشهاد بكرامة، على أن يعترف ويبقى على قيد الحياة. فاستشهد وبقيّ حيا بين رفاقه، وفي قلوب أبناء شعبه على اختلاف انتماءاتهم الحزبية، ليُشكل مدرسة تُحتذى اسمها "العكاوي" وعنوانها "الصمود في أقبية التحقيق". مجسداً بذلك مقولة المناضل الأممي التشيكي "يوليوس فوتشيك" في مذكراته المهربة من الزنازين في كتاب "تحت أعواد المشانق" (اذا كان ولا بد من التضحية لأجل الوطن ، فلنضحي بالحياة وليس الشرف)  ...

الشهيد "مصطفى العكاوي" من مواليد عام 1957، متزوج ولديه ابن واحد اسمه "عبد الله"، واعتقل من قبل عدة مرات، فيما المرة الأخيرة كانت في الثاني والعشرين من يناير/كانون ثاني عام 1992 من منزله في ضاحية البريد شمال مدينة القدس ، في إطار حملة هي الأشرس والأوسع لأعضاء وقيادات الجبهة الشعبية ، وكان عمره آنذاك ( 35 عاماً ).

وكان قد تسلح بقضية عادلة، ومبادئ راسخة وقناعة بحتمية الانتصار وإلمام كامل بكل أساليب التحقيق قبل اعتقاله. فسّخر كل ذلك في معركته أمام جلاديه لتشكل بمجموعها عوامل ساعدته لأن يسطر ملحمة الانتصار وأن ينال الشهادة في زنازين سجن الخليل في الرابع من فبراير من العام ذاته، صوناً لشرف الوطن والثورة والمقاومة.

  وبهذه المناسبة أدعو كافة الفصائل الفلسطينية، الوطنية والإسلامية، إلى إعادة النظر في ثقافتها وبرامجها التعبوية وآليات صقلها لعناصرها، والاستفادة من تجارب الصمود السابقة بما يؤسس لمنظومة متكاملة تجمع ما بين ثقافة النضال والاستشهاد والاعتقال في آن واحد، مع التركيز على أهمية الصمود في أقبية التحقيق في حال الاعتقال، لما لذلك من ضرورة وطنية ملحة تكفل الحفاظ على المعلومات التي يمتلكها المناضل وعدم البوح بأسرار المقاومة وفصائلها ورموزها .

ان الصمود ممكن والانتصار وارد، ومئات من التجارب الفردية والجماعية يمكن أن تُسجل هنا والتي تشكل بمجموعها نماذج رائعة، بالرغم مما مُورس بحقهم من تعذيب جسدي ونفسي بأشكالها المتعددة والتي وصلت لأكثر من سبعين شكلاً .

وبتقديري أن المناضل إذا ما بنيَّ وصُقل جيداً قبل خوض تجربة التحقيق وتربى على ثقافة الاعتقال والصمود، وتشرب فلسفة المواجهة وراء القضبان، يمكنه الصمود في أقبية التحقيق.. فإما حياة تسر الصديق، وإما ممات يغيظ العدا.

 تحية اجلال وإكبار للشهيد الأسير"مصطفى العكاوي" في الذكرى الـ26 لاستشهاده داخل أقبية التحقيق في سجون الاحتلال الإسرائيلي بعدما سطّر ملحمة مشرقة في الصمود وحقق الانتصار، وترك إرثا ثوريا سيبقى خالدا لدى شعبه.

 

وتمر قوافل الأبطال إما إلى القبور و إما إلى السجون

 

 

تنويه: المقال سبق ونشر، ونعيد نشره في الذكرى الـ26 لاستشهاده. مع تعديل طفيف، فاقتضى التنويه