همّ وغمّ وحزن متفاقم

هكذا تدفع الأمهات والأسرى ثمن سياسة الاعتقال الاداري ؟

 

الحياة الجديدة – 7-6-2008- كتب منتصر حمدان

 

لم تدرك المواطنة، سورية غنيمات، ان طلبها من ابنها يوسف (19)عاما التوجه الى مقابلة مخابرات الاحتلال بعد استدعائه بتبليغ رسمي، سوف يكلفها الانتظار سنوات حتى الافراج عنه من الاعتقال الاداري الذي لا يكاد ينتهي حتى يجري تجديده مرة اخرى.

 

"ساعتين وابنك بكون عندك "، وعدها احد الجنود الاسرائيليين على مدخل معسكر عوفر حينما ذهبت للاستفسار عن ولدها، ولكن عامان ونصف العام مضيا عليها ومازالت تنتظر!؟
سورية غنيمات التي تعيش في منزل بالايجار في رام الله، هي واحدة من الاف الامهات اللواتي ينتظرن الافراج عن اولادهن وازواجهن من سجون الاحتلال خاصة الاسرى الذين يعتقلون اداريا والبالغ عددهم قرابة 1000 اسير، يتعرض غالبية منهم لقرارات التمديد التي تصل في بعضها الى مدة خمس سنوات واكثر دون توجيه تهم لهم ضمن سياسة ممنهجة تستخدمها سلطات الاحتلال لعزل هؤلاء الاسرى عن مجتمعهم.

 

ولم تتردد ام يوسف، عندما تلقت نبأ اقتحام جنود الاحتلال لمنزل العائلة في قريتها كفر مالك بحثا عن ولدها يوسف، في اقناعه بالتوجه لمقابلة مخابرات الاحتلال كي لا يتحول الى مطلوب ويواجه خطر التصفية فيما بعد، لكنها لم تتوقع ان يتم تحويله للاعتقال الاداري وتجديد حكمه للمرة الخامسة على التوالي.

 

وتقول ام يوسف التي عمرها من عمر النكبة " الساعتان اللتان وعدت بهما اصبحتا عامين ونصف العام وانا انتظر عودة ولدي يوسف الذي بات رهينة لهذا النوع من الاعتقال القسري".

وكلما طال اعتقال يوسف في السجن كلما زادت حالة الصراع الذاتي الذي تعيشه تلك الام بسبب طلبها منه التوجه الى تلك المقابلة المشؤومة خوفا عليه من القتل خاصة وان تلك الفترة كانت تشهد عمليات ملاحقة واغتيال للمطلوبين.

 

ومع حلول الليل تحرص ام يوسف على التوجه الى الغرفة التي كان ينام فيها وفتح خزانته والنظر الى ملابسه واحتضانها لعلها تتمكن من التخفيف من اشتياقها لولدها وتقول " امضي نهاري دون اية مشاكل واحاول ان اشغل نفسي بزيارات الجيران او التوجه الى السوق لكن حينما يحل الظلام اتذكر يوسف وكيف كان يملأ البيت علي".

وتتابع ام يوسف التي تتواصل مع ولدها هاتفيا ومن خلال بعض الزيارات حينما تحصل على تصريح يتيح لها ذلك" حينما يتصل بي يوسف لا اعرف ماذا اقول له سوى الطلب منه ان يوكل امره لله ومحاولة التخفيف عنه وتصبيره على هذا الظلم الذي لحق به".

 

واضافت " حينما اقوم بزيارته احاول دعمه من خلال الحديث بانه ليس الوحيد الذي يتم اعتقاله اداريا لكني في قرارة نفسي ادرك ان كل يوم يمضيه في السجن يضيع من عمره ومستقبله مثله مثل باقي الشبان ".

واشارت الى ان يوسف الذي كان عمره 19 عاما حينما اعتقل، كان حرص على انهاء دراسته الثانوية والالتحاق بالدراسة الجامعية (جامعة القدس المفتوحة)، والعمل حتى ساعات متأخرة من الليل كي يساهم في تحقيق دخل مالي والمشاركة في تغطية مصاريف البيت، لكن تعرضه للاعتقال عطل مسيرة حياته.

وقالت " لا اعرف لماذا يتعرض ولدي يوسف لمثل هذا الاعتقال دون تهمة؟!"، موضحة انه يوشك على دخول عامه الثالث في هذا السجن بعد قرار تمديده الاخير بتاريخ 17-5-2008

 

 وتحرص غنيمات مع صبيحة كل يوم على التوجه الى غرفة الصالون في منزلها المتواضع والنظر الى صورة ولدها يوسف التي تحتل منتصف الطاولة الرئيسية اضافة الى مجموعة من الصور والتحف والتي منها ما صنعه يوسف في سجنه من مطرزات تشير الى انتمائه لحركة فتح.

واكثر ما يزيد من قلق وخوف ام يوسف، تعرضه لمشاكل في النظر داخل السجن ومرضه المتكرر اضافة الى تردي حالته النفسية، حسب ما اكدت والدته.

وتابعت " طلب يوسف ان اقوم بتفصيل نظارات له بسبب شعوره بمشاكل في نظره مثله مثل العديد من الاسرى في سجن النقب الصحراوي الذين يكون نظرهم محكوما بمشاهدة الجدران الضيقة او السماء فقط".

ورغم حالة الشغف التي تنتابها مع كل موعد لزيارة ابنها في سجون الاحتلال واستعدادها لتحمل كل الاعباء من اجل رؤية ولدها، فان غنيمات لا تخفي حجم المعاناة التي تكابدها مع كل زيارة وتقول " يبدا يوم الزيارة من الساعة الثالثة والنصف صباحا وينتهي عند الساعة العاشرة مساء"، مؤكدة ان اهالي الاسرى يتعرضون لمعاناة لا تطاق بسبب الارهاق والتعب الذي يكابدونه.

 

وتابعت " لا يمكن لأحد ان يتصور تحمل كل هذه المعاناة، وتتعاظم هذه المعاناة حينما يعلم الاهل ان ابنهم الاسير جرى نقله للمحاكمة في نفس يوم الزيارة دون علمهم"، كما اشارت الى جزء من تفاصيل معاناتها في ايام الزيارة خاصة في ايام الشتاء حينما كانت تضطر للخروج من منزلها في ساعات منتصف الليل وتتوجه سيرا على الاقدام مسافة 3 كيلو مترات تحت المطر حتى تصل بالقرب من بلدية البيرة حيث تتوقف حافلات نقل اهالي الاسرى.

واضافت " لا يتوقف الامر عند هذا الحد بل يتواصل على ابواب السجون حينما تتم اهانة الاهالي باجراءات تفتيش مهينة ومذلة اضافة الى التفنن في الحاق الاذى النفسي بالاهالي".

وقالت " انا شخصيا احاول ان أدخل صندل بلاستيك لولدي يوسف لكي يلبسه في الصيف الحار، لكن ادارة سجن النقب منعتني اربع مرات من ادخاله بذريعة الامن واخاف ان يحل الشتاء قبل ادخاله".

ورغم ان ام يوسف لم تتجاوز دراستها الصف السادس الابتدائي الا انها تتمكن من القراءة والكتابة، ليس ذلك فحسب، بل باتت منذ اعتقال ولدها يوسف تقسم وقتها بانتظام لمشاهدة تلفزيون فلسطين ومتابعة اذاعة صوت فلسطين ومشاهدة فضائية الجزيرة والعالم الايرانية ومحطة المنار.

 

وتفسر غنيمات سبب هذا التقسيم في متابعة وسائل الاعلام بالقول " اتابع تلفزيون واذاعة فلسطين لانهما يبثان اخبار الاسرى، اما محطة الجزيرة فأشاهد عليها اخبار العالم السياسية والكوارث والحروب وغيرها من الاخبار، اما بقية المحطات مثل العالم الايرانية والمنار التابعة لحزب الله فانني اتابع اية اخبار عن صفقات تبادل الاسرى".

ومع كل يوم وساعة تمر على اعتقال ولدها يوسف فان مخزون الامل في نفس تلك الام يتراجع بامكانية الافراج عنه ليس ذلك فحسب بل انها لا تعول كثيرا على المفاوضات السياسية الجارية بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي في اطلاق سراح الاسرى وتقول " ان الواضح انهم يتلاعبون بنا فهم يخرجون 20 اسيرا ويعتقلون 25 بدلا منهم ".

واضافت" لا يمكن الوثوق بهم "الاسرائيلون" فهم يكذبون علينا وعلى قيادتنا فهم يتحدثون عن السلام لكنهم يقومون بالاستيطان ويواصلون الاعتقالات ومصادرة الاراضي".

 

ولا تتردد ام يوسف في مطالبة الرئيس محمود عباس والحكومة بالضغط من اجل اطلاق سراح الاسرى فورا وفي مقدمتهم النساء والاطفال والمرضى. وتقول " انهم يضيعون مستقبل اولادنا وعليهم الافراج ليس عن ولدي فقط وانما عن كافة الاسرى لان وجعنا من وجع كافة اهالي الاسرى".

المصدر / صحيفة الحياة الجديدة الفلسطينية 7-6-2008