دراسة شاملة عن الأسيرات الفلسطينيات

الإحتلال اختطف قرابة 700 فلسطينية خلال إنتفاضة الأقصى

الأسيرات الفلسطينيات ... روايات مؤلمة وتجارب نادرة

تفتيش عاري وتهديد بالإغتصاب وتحرش جنسي

 

* أعداد / عبد الناصرعوني فروانة

23 سبتمبر 2007

ان المرأة الفلسطينية لم تتردد في الإنخراط في العمل الوطني الفلسطيني ، من أجل الخلاص من الإحتلال وتحرير فلسطين ومقدساتها ، و اندفعت إلى ساحة النضال بشكليه السلمي والمسلح منذ بدايات الإحتلال الإسرائيلي لفلسطين ، بل ومنذ الإنتداب البريطاني لفلسطين ، ولقد شُكل أول اتحاد نسائي فلسطيني عام 1921 بهدف مناهضة الإنتداب البريطاني والوقوف في وجه الاستيطان الصهيوني ، وفي العام 1948 شُكلت فرقة باسم "زهرة الأقحوان" ، من قبل عدد من النسوة في يافا وهي فرقة نسائية سرية للتحريض وتزويد الثوار بالأسلحة والتموين .

و مما لا شك فيه أن المرأة الفلسطينية تأثرت كالرجل من آثار نكبة 1948 مما عزز لديها شعور الإنتماء للوطن وضرورة النضال من أجل الخلاص من الإحتلال ، ما دفعا لتطوير مشاركتها في العمل السياسي والكفاحي ، وبعد حرب حزيران عام 1967 واحتلال باقي فلسطين ، أحدثت المرأة الفلسطينية نقلة نوعية في طبيعة ونوعية مشاركتها في النضال ، فهي جزء من الشعب الفلسطيني وواجهت ما واجهه أبناء الشعب الفلسطيني كافة من ظروف قاسية وصعبة جراء ممارسات الاحتلال الإسرائيلي الذي لم يستثنِ طيلة سنوات احتلاله لفلسطين ، المرأة من ممارساته القمعية الهادفة لإذلالهم والتنكيل بهم والتنغيص عليه .

 وأن المراة الفلسطينية شكلت بعد ذلك العديد من الإتحادات النسائية ، كما انخرطت في صفوف فصائل منظمة التحرير الفلسطينية المقاومة والمتعددة ، وشاركت فيها بشكل فاعل وكان لها دور بارز في كافة الأنشطة النقابية والإجتماعية والسياسية والثقافية و..إلخ ، وكانت دوماً شريك الرجل، تقف إلى جانبه وتسانده وتقوم بالدور الملقي على عاتقها لخدمة وطنها وقضيته العادلة، وكان لها دور فاعل خلال الإنتفاضة الأولى وفي عملية البناء التي تلتها ، وحتى العمل العسكري لم يكن حكراً على الرجال فقط ، بل شاركته المرأة في العديد من العمليات العسكرية النوعية ضد الإحتلال وافرازاته بشكل مباشر ، منذ بدايات الإحتلال ولغاية الآن .

وهناك بعض المناضلات اللواتي كان لهن دور مميز في العمل العسكري على سبيل المثال لا الحصر المناضلة الشهيدة شادية أبو غزالة وهي أول شهيدة فلسطينية عسكرية واستشهدت بتاريخ 28/11/1968 ، والمناضلة الشهيدة دلال المغربي والمناضلات الإستشهاديات هبة ضراغمة وهنادي جرادات وآيات الأخرس ، والمناضلة ليلى خالد التي تميزت بخطف الطائرات ، وغيرهن الكثيرات.

وأكد فروانة في دراسته أن  المرأة الفلسطينية قد ظهرت بأكثر من صورة خلال تلك المسيرة الرائعة ، فظهرت الأم المثالية والمربية القديرة ، والمهنية المتميزة والمناضلة العنيدة ، والمقاتلة الشرسة ، والقائدة المحنكة والمبعدة الصبورة الحالمة بالعودة للوطن ، كما وأنها تعرضت للأسر كما الرجال وكانت الأخت فاطمة برناوي هي أول مناضلة فلسطينية يتم اعتقالها وذلك في تشرين ثاني 1967 بعد وضعها قنبلة في سينما صهيون في مدينة القدس، وحكم عليها بالسجن مدى الحياة.  

وتفيد كافة المعطيات والإحصائيات أن قوات الإحتلال الإسرائيلي و منذ العام 1967 ولغاية الآن اعتقلت أكثر من ( 10000 ) عشرة آلاف مواطنة فلسطينية ، من بينهن قرابة ( 700 ) مواطنة اختطفتهن خلال إنتفاضة الأقصى ، وبقى منهن لغاية الآن في السجون الإسرائيلية ( 110 ) أسيرات .

 و أن الغالبية العظمى منهن متواجدات في سجن تلموند ، ومنهن ( 5 ) أسيرات  قاصرات لم يتجاوز عمر الواحدة 18 عاماً ، كما أن بينهن أرامل والعديد من الأمهات اللواتي تركن أطفالهن دون رعاية .

اعتقال يصاحبه ضرب واهانة واحتجاز في قبور تسمى سجون

واعتقال الإناث كما اعتقال الذكور كما يشير فروانة في دراسته يصاحبه ضرب وإهانة ، و ترهيب وترويع ،  و يتعرضن في مراكز التحقيق والإعتقال لمعاملة قاسية ولأصناف مختلفة من التعذيب والضرب المبرح دون مراعاة لجنسهن واحتياجاتهن الخاصة .

وكافة المعلومات تؤكد بان جهاز الأمن الإسرائيلي يسعى جاهداً وباستمرار إلى ابتداع السبل لإذلالهن وقمهعن والمساس بشرفهن وكرامتهن من خلال مرور السجانين في اقسامهن ليلاً وأثناء نومهن ، وفي كثير من الأحيان يتم اقتحام غرفهن مباشرة ليلاً وفجأة من قبل السجانين دون أن يتمكنَ من وضع المناديل كغطاء على رؤوسهن .

و في أحيان أخرى تم تمزيق المناديل والجلابيب في تعدي صارخ لخصوصيتهن وكرامتهن .

وعن أوضاعهن المأساوية فحدث ولا حرج ،  فالفئران باتت تقيم في الزنازين مع الأسيرات تقاسمهن الطعام الذي هو أصلاً سيء ، وغير صحي ولا يفي بالحد الأدنى لإحتياجات الجسم وكثيراً ما وجدوا فيه الذباب والحشرات والأوساخ ، بالإضافة للبرد القارص في الشتاء والرطوبة، وعدم وجود تدفئة وأغطية كافية ، والإزدحام وقلة التهوية.

وتتعمد إدارة السجون إلى وضع السجينات الجنائيات الإسرائيليات في نفس أقسام الأسيرات الفلسطينيات ، حيث يقمن بمضايقتهن بشكل مستمر وازعاجهن بالصراخ اثناء ادائهن للصلاة ، وإطلاق الشتائم وسب الذات الإلهية والألفاظ القذرة .

واستناداً لحداث موثقة ففي أحياناً كثيرة يعتدين عليهن بالضرب وبسكب الماء بشكل مفاجئ مما يزيد الامور صعوبة داخل السجون الاسرائيلية ، وازدادت معاناتهن أسوة ببقية الأسرى خلال انتفاضة الأقصى حيث استغلت إدارة السجون عددهن القليل وقامت بالاستفراد بهن وزجهن في زنازين انفرادية وحرمانهن من أبسط متطلبات الحياة الإنسانية وفرضت عليهن غرامات مالية بشكل جماعي وفردي وتخصم من حسابهن الخاص أو من حساب التنظيم التي تنتمي له الأسيرة .

شهادات  حية .. مؤلمة ومريرة

وفي دراسته استحضر فروانة بعض الشهادات وقال لقد التقينا بالعديد من الإسيرات المحررات ولدينا العديد من الشهادات الحية لبعضهن اللواتي  اللواتي تعرضن للإعتقال والتعذيب ، ونورد بعضها حيث تقول الأسيرة المحررة فيروز عرفة بنبرات ممزوجة بالفخر والألم ، أنها اعتقلت ثلاث مرات وأمضت بضعة سنوات في سجون الإحتلال الاسرائيلي وتعرضت لتعذيب قاسي وشبح ووضعت تحت دش من الماء الساخن ثم نقلت إلى دش ماء بارد ، بالإضافة للحرمان من النوم والطعام والضرب المبرح بالهراوات على الرأس وباقي أنحاء الجسد مما أفقدها وعيها عدة مرات .

وتضيف عرفة وهي من غزة ومثقفة وتعمل مديرة مكتبة جمعية الهلال الأحمر بغزة "عندما شاهدت صور سجن أبو غريب لم أندهش فلقد شاهدت بأم عيني كيف يقومون بتعرية الأسير وضربه أمامنا ، وتهديدنا بأن مصيرنا سيكون مثلهم ، وتتألم حين تتذكر أن إدارة السجون كانت تجبرهم على ارتداء الملابس القصيرة جداً والممزقة والبالية والتي تظهر أكثر مما تُخفي ، ومع ذلك تقول : " علمني السجن معنى الصمود والثبات وروعة الحياة الجماعية ، وعلمتني الحياة والتاريخ أن سجون القهر والاحتلال إلى زوال وسيأتي يوم تشرق فيه شمس الحرية " .

وفي شهادة أخرى تفيد الأسيرة المحررة أ. ح  أنها تعرضت لمحاولتي اغتصاب ولتعذيب قاسي لا زالت آثاره حتى اللحظة رغم مرور سنوات طويلة على تحررها .

والأسيرة " ش " تقول : أن من مآسيها خلال فترة التحقيق أنها عانت فترة حدوث الدورة الشهرية حيث طلبت من السجانة إحضار فوط لها ، إلا أنها رفضت فازداد وضعها سوءاً ، فطلبت منها السجانة الإعتراف مقابل أن توفر لها احتياجاتها ، كما وأن المحقق أجبرها على رفع الشال عن رأسها وغازلها بنعومة شعرها وهددها بالإغتصاب إذا لم تعترف .

الأسيرة " ر.ع "  قالت : أنها منذ لحظة اعتقالها من البيت قام الجنود وبشكل ميداني بتفتيشها تفتيشاً عارياً ، ثم نقلت وهي مكبلة بالسلاسل الحديدية لمعتقل المسكوبية للتحقيق وهناك جرى تفتيشها تفتيشاً عارياً مرة أخرى وقالت انهم وضعوني في زنزانة فيها شباب وعندما احتج الشباب على ذلك أدعو انهم وضعوني بالخطأ ثم نقلوني إلى زنزانة أخرى تشبه القبر وضيقة جداً ولم استطع حتى أن امدد رجلاي فيها .

الأسيرة " س. ص " ذكرت أنها أعتقلت وهي حامل في الشهر الثاني وأثناء الإعتقال داهموا منزلها وأخرجوا من فيه وأجبروا الرجال على خلع ملابسهم عراة أمام الأطفال والنساء ، وتضيف : أما أنا فقد أوقفوني بعيداً عن النساء ومن ثم ألقوا أوامرهم بأن أدخل إلى غرفة متحركة مليئة بكاميرات التصوير وبها جندي طلب مني أن أخلع ملابسي كاملة فرفضت في البداية ثم أشهروا السلاح وهددوني بالقتل ، وبعدها فعلت ذلك مجبرة أمامه وتحت تديد السلاح ، فأحضر لي أفرهولاً أبيض ارتديته وبدأت رحلة التحقيق والتعذيب .

وأسيرة أخرى طلبت عدم ذكر اسمها قالت " لقد تعرضت لعمليات تحرش جنسي، وتم تصويري بصور فوتوغرافية، وبعد أن قضيت بضعة سنوات أفرج عني منتصف التسعينات ،  وخلال محاولتي السفر ، فاجأني رجل المخابرات على المعبر بتلك الصور".

وكما قلنا آنفاً لدينا شهادات عديدة موثقة ومروعة لأسيرات فلسطينيات معتقلات في السجون الإسرائيلية أو محررات ، وجميعها تؤكد ان المحققين الإسرائيليين يتحرشون بالأسيرات ويهددونهن بالاغتصاب، إذا لم يدلن باعترافات.

تفتيش عاري وتحرش جنسي وتهديد بالإغتصاب

واشتكت الأسيرات مراراً من فرض سياسة التفتيش العاري ولو بالقوة والضرب  أثناء الخروج والعودة من المحاكم ومن الزيارات ، أو في حالة نقلهن من سجن أو من قسم لآخر ، والتحرش الجنسي بهن من قبل السجانين والسجانات والتهديد بالإغتصاب .

 وفي أحياناً كثيرة فرض عليهن تنفيذ حركات مذلة ومشينة وأمام السجانات واثناء ذلك يمر السجانين مما يدفع الأسيرات للرفض والإحتكاك المباشر ، ويتبع ذلك بوضعن لأيام وليالي وقد تمتد لأشهر في العزل الإنفرادي كعقاب بالإضافة لفرض غرامة مالية بحجة رفض الأسيرة الإنصياع لأوامر ادارة السجن وقد يضاف لها أيضاً الإعتداء على السجينات . 

واعتقد جازماً بأن هناك بعض الأسيرات تعرضن لأكثر من ذلك ، ومنهن تعرضن للإغتصاب الفعلي ولكنهن يخشون البوح بذلك ، خشية من ردة فعل المجتمع الفلسطيني المحافظ .

وخلال عملنا ولقاءاتنا بالأسيرات ، نجد وللحقيقة أن ليس كل مَن تَعرضت للتعذيب والإهانة ، للتعري والتحرش وحتى الإغتصاب ، تمتلك الشجاعة لتحدثنا عما تعرضت له ، ولكن هناك الكثير منهن تجرأنَ وتحدثنَ بمرارة لا توصف وبكلمات تخطها دموع الحزن والألم ، عما تعرضنَ له من لحظة الإعتقال وحتى حظة الإفراج ، ومنهن لا زلنَ متأثرات من ذلك رغم مرور عقود من الزمن .

 

الأوضاع الصحية في غاية الصعوبة

الأوضاع الصحية في غاية الصعوبة كما هو الحال في باقي السجون وهذا ما يؤكد ما قلناه مراراً وما أصدرناه من تقارير ونشرناها عبر موقعنا فلسطين خلف القضبان ومواقع أخرى بأن سياسة الإهمال الطبي هي سياسة مبرمجة ممنهجة تهدف لقتل الأسرى والأسيرات ببطء ، حيث أن  بعض الأسيرات  يعانين من أمراض مزمنة ولا توفر لهن العناية الطبية اللازمة مما يفاقم الأمراض لديهن في ظل النقص الحاد في الطعام كماً ونوعاً ، وان طالت فترة السجن تتحول الأمراض إلى أمراض مزمنة وخطيرة .

 و من الأسيرات المريضات الأسيرة نورا جابر الهشلمون من مدينة الخليل وهي أم لستة أطفال و تعاني من مشاكل في الكلى ، والأسيرة لطيفة أبو ذراع وهي أم لسبعة أطفال ومحكومة بالسجن 25 عاماً ، و تعانى من آلام شديدة في قدميها، إضافة إلى مرض السكري، والصداع النصفي ، وهدى العارضة من جنين محكومة خمس سنوات و تحتاج إلى عملية في المرارة .

كما تشكوالأسيرة فاطمة الحاج محمد من نابلس تعاني من مرض السكري وتحتاج إلى ابر أنسولين بشكل يومي والأسيرة أحلام التميمي من رام الله والمحكومة ستة عشر مؤبدا وتعاني من آلام حادة في المفاصل وتغريد السعدي وسناء شحادة ووردة بكراوي بحاجة إلى علاج للأسنان فما زلن من خمس سنوات يطالبن الإدارة بإدخال طبيب أسنان من الخارج وعلى حسابهم الخاص وترفض الإدارة لهذا الطلب وغيرهن الكثيرات ممن يشتكين من أمراض ويجلسن لساعات طويلة يصرخن على الممرض حتى يأتي بعد ان انهكهن المرض ليقدم لهن الماء والأكامول علاجاً .

زيارات الأهل نادرة ووفق مزاج الإدارة

وبالنسبة لزيارات الأهالي، فهي نادرة وغير منتظمة ويتخللها العديد من المصاعب للأهل بدءاً من ركوب حافلة الصليب الأحمر فجراً وانتهاء بالعودة في ساعات الليل المتأخرة ولقد أصدرنا سابقاً تقريراً مطولاً عن زيارات الأهل ونشرناه على موقعنا الشخصي هذا فلسطين خلف القضبان وفي مواقع عديدة  ( اضغط هنا لللإطلاع عليه )

و تشتكي الاسيرات من الاجراءات التي تفرض عليهن خلال زيارة ذويهن حيث يمنعن من مصافحة الاهل وتجري الزيارة من خلف جدار زجاجي بلاستيكي محاط بالاسلاك الشائكة، و تتم وفق مزاج الادارة التي غالباً ما تقوم بالغائها بشكل مفاجيء ، أو منع الاسيرات من الزيارات كعقاب , وهناك اسيرات منعت الادارة زيارتهن لفترات طويلة ومنهن حتى اشعار اخر وهذا يشكل اكبر عقوبة تواجهها الاسيرات مما يزيد من معاناتهن .

ونؤكد هنا بأننا وبعد اصدارنا ونشرنا مؤخراً التقرير الخاص بزيارات الأهل ، تلقينا وعبر موقعنا الشخصي " فلسطين خف القضبان " العديد من الرسائل التي تحمل شكاوي من أهالي الأسيرات بسبب حرمانهم من زيارتهن منذ بضعة شهور .

وحتى زيارات أزواجهن وأشقائهن في نفس السجون ممنوعة

هناك العديد من الأسيرات متزوجات وأزواجهن معتقلين أيضاً ، أو أشقاء معتقلين في سجون أخرى ،  وطلبن بعض الأسيرات مراراً  بزيارة أزواجهن أو اشقائهن الأسرى القابعين في سجون ومعتقلات أخرى ، إلاّ أن إدارة السجون لا زالت ترفض طلبهن ولا تسمح لهن بالزيارات الداخلية .

أمهات ينجبن في الأسر

وفقاً لما رصدناه ووثقناه فان ثلاثة أسيرات وضعت كل منهن مولدها داخل الأسر، خلال انتفاضة الأقصى  وهن: ميرفت طه من القدس ووضعت مولودها " وائل " بتاريخ  8 فبراير 2003 ، ولقد أطلق سراحها مع مولودها  في فبراير 2005 بعد قضاء فترة محكوميتها البالغة قرابة ثلاث سنوات ، والأسيرة منال غانم من طولكرم ، ووضعت مولودها " نور " بتاريخ 10/10/2003، وقد أطلق سراحها في نيسان الماضي  بعد قضاء فترة محكوميتها ، وسمر ابراهيم صبيح من مخيم جباليا بقطاع غزة والتي وضعت مولودها البكر " براء " في الثلاثين من نيسان من العام الماضي ، بعملية قيصرية في مستشفى مئير في كفار سابا ، وهي لا تزال معتقلة وتقضي حكماً بالسجن ثمانية وعشرون شهراً  وطفلها براء يعتبر أصغر أسير في العالم  .

ومن المعلوم أن القانون الإسرائيلي يسمح للأم برعاية طفلها وإبقائه معها في السجن، حتى سن العامين فقط، ومن ثم يتم الفصل بينهما ، كما حصل مع الأسيرة عطاف عليان ومن قبلها منال غانم .

 كما ونؤكد ووفقاً لمتابعتنا لهذا الملف أن حالة الولادة داخل السجون لم تتم بشكل  طبيعي ولم تحظى بالحد الأدنى من الرعاية الطبية ، فإنها تتم تحت حراسة عسكرية وأمنية مشددة وتكون الأسيرة مكبلة الأيدي والأرجل بالأصفاد المعدنية ، ولم يتم إزالة هذه القيود إلاّ أثناء العملية فقط ومن ثم يعاد تكبيلها بالسلاسل الحديدية وهذا مخالفاً لجميع الأعراف الدولية كما لم يسمح لأحد من أقارب الأسيرة  بالحضور للمستشفى أثناء الولادة ، كما لم يسمح لزوج الأسيرة سمر صبيح بالحضور وزيارة  زوجته حيث كان معتقلاً آنذاك في سجن النقب الصحراوي.

ولم يقتصر الأمر على ذلك ، بل أن هؤلاء المواليد خلف القضبان لا يحظون بأية رعاية تذكر ، و يحرمون من أبسط حقوق الطفولة وأحياناً تصادر حاجياتهم الخاصة وألعابهم الصغيرة ، وأحياناً أخرى يتم معاقبة الأسيرات بسبب بكاء وصراخ هؤلاء الأطفال .

و هناك أسيرة أخرى حامل بخمس شهور وثانية أربع شهور وسيتعرضتا لنفس الظروف ولنفس المعاملة في حال بقين في الأسر حتى موعد الولادة .

إعتقال أمهات وزوجات المعتقلين والمطلوبين

    وهناك معاناة أخرى، تصاعدت خلال إنتفاضة الأقصى ، متمثلة بسياسة اعتقال أمهات وزوجات وأخوات المطلوبين والمعتقلين ، بهدف الضغط على المطلوبين لاجبارهم على تسليم أنفسهم ، وعلى المعتقلين لإجبارهم على تقديم الإعترافات ، كشكل من أشكال العقاب الجماعي .

و في أحيان أخرى هددوا بعض الأسيرات الأمهات باعتقال أطفالهن للضغط عليهن في محاولة منهم لنزع اعتراف منهن .

 

أحكام قاسية

الإجراءات المتبعة في المحاكم الإسرائيلية  بحق الأسيرات تعسفية وتتناقض مع معايير المحاكمات الدولية العادلة ، و تفرض تلك المحاكم أحكاماً قاسية على الأسيرات وصلت أحياناً للسجن مدى الحياة عدة مرات .

و على سبيل المثال لا الحصر، الأسيرة أحلام التميمي صدر بحقها حكماً بالسجن المؤبد 16 مرة ، وأيضاً المعتقلة قاهرة السعدي حكم عليها بالسجن المؤبد 3 مرات و30 سنة وهي بالمناسبة متزوجة وأم لأربعة أطفال وفي شهادة لها تقول أنه تم تهديدها بالاغتصاب عدة مرات وكان ذلك يجعلها تجهش بالبكاء من شدة الخوف.

، والمعتقلات آمنة منى وسناء شحادة ودعاء الجيوسي اللواتي يقضين حكماً بالسجن المؤبد ، وغيرهن الكثيرات ، كما وأن هناك العديد من المعتقلات حكم عليهن بالسجن سنوات طوال كالمعتقلة سونيا محمود الراعي من قلقيلية والتي تقضي حكماً بالسجن ثلاثة عشر عاماً ، والأسيرة إيمان غزاوي13 سنة والأسيرة أمل جمعة  11 عاماً  .

آمنة منى تقبع في العزل الإنفرادي منذ عام تقريباً

وتطبق مصلحة السجون سياسة العزل الإنفرادي على الأسيرات ، و الأسيرة آمنة منى خير مثال على ذلك حيث  تقبع في العزل الإنفرادي منذ عام تقريباً .

وبالمناسبة فاننا نعرب عن قلقنا الشديد على حياة الأسيرة آمنة منى ممثلة الأسيرات والمعتقلة منذ قرابة ست سنوات ، و تقضي حكماً بالسجن مدى الحياة والتي تمر بظروف صعبة للغاية في العزل الإنفرادي في سجن الرملة منذ عام تقريباً .

حيث أن  زنزانتها مجاورة للسجينات الجنائيات اللاتي يتعرضن لها بالسب والشتم وكيل الألفاظ النابية وإصدار الأصوات المريبة والمزعجة ، وقبل أيام سكبوا عليها ماء ساخن وهي في زنزانتها الإنفرادية ، وأنها ليست الأسيرة الأولى التي تتعرض للعزل الإنفرادي عن باقي الأسيرات وعن العالم الخارجي ،لكنها قد تكون قد أمضت الفترة الأطول من بين الأسيرات في العزل وفي تلك الظروف القاسية التي تمر بها .

 و بالنسبة للعزل فاننا نعتبره من أقسى أنواع التعذيب ويكون ممزوجاً بالمعاملة الأكثر سوءاً والظروف الأشد قسوةً  ، ويهدف إلى تحطيم معنوياتها ومعنويات رفيقاتها الأسيرات، خاصة بعد عدم تمكن إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية من استقطاب أي من الأسيرات للعمل معهم ، وأحياناً كثيرة يستخدم العزل كعقاب لعدة أيام ولأتفه الأسباب ،فمثلاً الأسيرة آمنة منى فُبركت لها تهمة المشاركة في محاولة حفر نفق في الزنزانة الجماعية في سجن الرملة، وهذا غير ممكن على الإطلاق، كما أن المخابرات الإسرائيلية حالت دون تمكن محامية منى  من الاطلاع على ملف القضية، بدعوى أنه "سري".  

الأسيرات .. نضال مستمر

خاضت الأسيرات نضالات عديدة وشاركن إخوانهم الأسرى الرجال في نضالهم المتواصل خلف القضبان من أجل الكرامة والشرف وانتزاع الحقوق الإنسانية الأساسية ، و لقد خضن العديد من الخطوات الإحتجاجية والإضرابات الجزئية و الشاملة عن الطعام لعدة أيام من أجل تحسين ظروف حياتهن الإعتقالية ، وظروفهن المعيشية ووضع حد للعاملة القاسية التي يتعرضن لها واستطعن بالفعل تحقيق العديد من الانجازات.

ومن المواقف التي تستحق الإعجاب الشديد ، موقفهن الجماعي الرائع عام 1996 عندما رفضن الإفراج المجزوء عنهن على اثر اتفاق طابا وفضلن البقاء في السجن ، وبالفعل فرضن موقفهن في النهاية وتم الإفراج الجماعي عن جميعهن بداية عام 1997 .

الخلاصة والتوصيات

لا بد من الاشادة بالشاط الملحوظ والتقدم الملموس في مدى الإهتمام بقضية الأسيرات من قبل وزارة الأسرى والمحررين ووزيرها أشرف العجرمي وحكومة دولة رئيس الوزراء سلام فياض ، ونأمل باستمرارهذا الإهتمام وتواصله بدرجات أعلى ، وأن يتم التركيز أكثر على قضايهن والعمل على تحرير جميع الأسرى والأسيرات كأولوية أساسية من أولويات نجاح السلام ، باعتبارهم بوصلة الإستقرار في المنطقة .

وبذات الوقت نعرب عن أسفنا لعدم وجود سجل  شامل بأسماء كافة الأسيرات المحررات ، ولا تاريخاً مؤرشفاً بتجاربهن ومعاناتهن التي تصلح لأن تكون سيناريوهات في سينما "هوليود" ، حيث أن الإحصائيات تؤكد ، أنه و منذ العام 1967 ولغاية الآن اعتقلت قوات الإحتلال أكثر من عشرة آلاف مواطنة فلسطينية ، منهن توفين ومنهن لا زلن على قيد الحياة ، ولكل منهن قصتها وتجربتها الخاصة ومعاناتها في الأسر وبعد التحرر .

وفي الختام نناشد كافة المؤسسات العاملة في مجال المرأة أن تلتفت لهذه القضية وأن تضعها كجزء أساسي في عملها وتهتم أكثر في موضوع الأسيرات و المحررات وتوثيق تجاربهن بشكل تراكمي و ضمن استراتيجية واضحة .

و يجب أن تتوحد كافة جهود المؤسسات التي تعنى بشؤون المرأة والأسرى وحقوق الإنسان وأن تطلق حملة إعلامية وجماهيرية واسعة النطاق تضامناً مع الأسيرات الفلسطينيات بشكل عام والأسيرة آمنة منى بشكل خاص وفضح ما تتعرض له من أخطار جسيمة يُعرض حياتها للخطر.

كما وندعو المجتمع الدولي لأن يفوق من سباته وأن يلتفت قليلاً الى معاناة الأسرى في سجون الإحتلال الإسرائيلي بشكل عام ومعاناة الأسيرات بشكل خاص ، والضغط على حكومة الإحتلال لإنهاء تلك المعاناة المتفاقمة وتطبيق الإتفاقيات الدولية الخاصة بالأسرى والإفراج عن جميع الأسيرات اللواتي يتعرضت لصنوف مختلفة من  الاضطهاد والايذاء البدنى والنفسى والمعنوى.

 

 ملاحظـة : في حالة الإقتباس أو اعادة النشر يرجى الإشارة للمصدر ومعد التقرير عبد الناصر فروانة

 

* أسير سابق وباحث متخصص بقضايا الأسرى ومدير دائرة الإحصاء بوزارة شؤون الأسرى والمحررين

اضغط هنا للإطلاع على المزيد من المعلومات والأخبار المتعلقة بالحركة النسوية الأسيرة