في الذكرى التاسعة عشرة لاستشهاد القائد الوطني عمر القاسم

 

بقلم شقيق الشهيد/ أحمد القاسم

 

المصدر / صحيفة الحياة الجديدة –

 فلسطين -  25-5-2008

ولد الشهيد القائد عمر محمود محمد القاسم في الثالث عشر من تشرين الثاني من العام 1941م في حارة السعدية/الواقعة داخل أسوار مدينة القدس القديمة، من أبوين متوسطي الحال. وترجع أصول عائلة القاسم إلى بلدة الطيرة القريبة من حيفا، التي أقامت فيها حتى عام 1911م، وبعدها انتقلت إلى قرية "حبله" الواقعة قضاء محافظة قلقيلية حيث ما زالت عائلة القاسم تقيم فيها حتى يومنا هذا.

أما والد الشهيد عمر، فبحكم عمله كسائق في إحدى شركات نقل الركاب في ذلك الوقت، فقد كان كثير الترحال والتنقل من قرية الى قرية، ومن مدينة إلى أخرى. كان المستقر الدائم للوالد الكريم داخل أسوار مدينة القدس، التي أحبها بشكل خاص لقدسيتها واحتوائها على كثير من المعالم والشوارع والأحياء القديمة، إضافةً إلى كونها مقراً لعمله.

وقد تزوج محمود محمد القاسم/ والد الشهيد في عام 1938م، وأحضر زوجته، والتي بقيت على ذمته حتى يوم وفاته في تاريخ 4-3-1989 م ، من بلدة سلمة ، وكون أسرة كبيرة، عدد أفرادها تسعة أفراد ( ستة من الذكور وثلاثة من الإناث)، وكانت الأسرة، ما زالت تعيش في ضواحي مدينة القدس في حي الشيح جراح حتى وفاة الشهيد عمر، ورغم تشتت معظم أفراد العائلة لأسباب كثيرة، واضطرارهم للعيش في عدد من الدول العربية المجاورة، من أجل الدراسة و العمل، إلا أن الوالدة الكريمة كانت ما زالت متمسكة بمنزلها، وإلى جانبها أحد أبنائها واحدى بناتها حتى  الرابع من حزيران المقبل اذ تصادف الذكرى التاسعة عشرة لاستشهاد القائد الوطني عمر محمود القاسم ويوم الرابع من حزيران المنصرم، مرت الذكرى الثامنة عشرة لاستشهاده، هذه الذكرى، العزيزة على قلب كل مواطن فلسطيني حر، وعلى كل أبناء شعبنا المناضل في كل مكان، فأصدقاء الشهيد ورفاقه في السجن وخارجه وفي كل بقعة من ارض الوطن، يعرفون من هو الشهيد عمر القاسم، وإذا كنت احيي ذكرى استشهاد أخي، فإنني في ذكراه احيي ذكرى كل الشهداء الأبطال، الذين سقطوا على ثرى ارض فلسطين، خلال معركة النضال الطويلة والمريرة ضد الاحتلال الصهيوني النازي البغيض، فرووا وطهروا بدمائهم الزكيه ارض الوطن، فزادوها قدسية على قدسيتها.

استشهد القائد عمر القاسم بعد اعتقال دام أكثر من واحد وعشرين عاما من الاعتقال، قضاها في غياهب سجون الاحتلال، متنقلا من سجن إلى سجن، ومن زنزانة إلى زنزانة، بحيث لم يبق سجين واحد لم يعرفه، أو لم يلتق به، فكل السجناء منذ عام 1968م وهو تاريخ اعتقاله، وحتى يوم استشهاده في الرابع من شهر حزيران 1989م، عرفوه مناضلا صلبا، وقائدا فذا في سجون الاحتلال، مارس النضال داخل وخارج السجن، بأروع صوره، لقد أطلق عليه زملاؤه بالمعتقل شيخ الأسرى والمفكرين، لما كان يتمتع به من قوة وبأس، قوة بالفكر والارادة، حيث اعتبره زملاؤه من ابرز المفكرين والمثقفين، الذين دخلوا المعتقلات الإسرائيلية، كما لقبه شعبه بمانديلا فلسطين.

يقول أخي الشهيد في احدى رسائله إلى أحد أصدقائه خارج السجن:

 ( لكل كائن حي، دورة حياة، وبعد أن تكتمل هذه الدورة، فان الحياة تلفظه جانبا، ويبقى كذلك، إلى أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، ولكن، إذا قرر أحدهم، الا يقف جانبا، فقد يضطر إلى مضغ طعامه مرتين، الأولى حقيقية، وفيها يتذوق طعامه ويشعر بلذته، وبالمرة الثانية تكون زائفة، حيث لا يشعر بلذة أو طعم، وإنما مجرد أن يملأ الفم بالطعام لسد جوعه، كل هذا لأعبر لك، عن مدى تذوقي لطعم الحياة، فالأحداث تتكرر أمامي، فتبدو زائفة أحيانا، وإذا ما اضطررت لصنع أحداث جديدة، فهذا يتطلب مني ثمنا باهظا).

وعن خصائص السجن يقول أخي في رسالة أخرى:

 )إن العزاء الوحيدة لنا بالسجن، هو وجودنا على ارض الوطن، والتعرف على أبناء صهيون عن قرب، من خلال وجودنا معهم وجها لوجه، أنتم ربما تقرأون أو قرأتم عن الصهيونية في الكتب والمجلات، ولكننا ونحن داخل السجون،  نلمسها طيلة أربع وعشرين ساعة في اليوم).

قال لي أخي مرة قبل استشهاده:

 ) إذا استشهدت، فلا تأخذوا ثمن استشهادي، فروحي فداء حبي لوطني ولشعبي) .

رغم فاشية، ونازية الحركة الصهيونية، فقد ارتقى أخي الشهيد بأخلاقه ومبادئه إلى القمة،

حيث قال في أحد رسائله بتاريخ 31-7-1986 م:

 ( لن نسمح للحقد والممارسات الفاشية والعنصرية الصهيونية، أن تخلق في نفوسنا الرغبة في الرد عليهم بالمثل، والنظر، للديانة اليهودية بشكل عنصري، فإننا سنحارب العدو، بما يخدم القيم الوطنية والإنسانية والسلام العالمي، رغم أننا نتألم للمآسي التي تسببها حربهم العدوانية ضدنا، وممارساتهم العنصرية، ضد أبناء الشعب الفلسطيني، وضد أطفاله ونسائه، والرجال الكبار بالسن منهم، وللشعوب العربية، وحتى للإسرائيليين أنفسهم ) .

في الذكرى الخامسـة عشـرة لاستشهاده كتب عبد الناصر عوني فروانة وهو أسير محرر ويعمل بوزارة الأسرى والمحررين بغزة بتاريخ 4-6-2004 م:

( مَن لَم يَعرف عمر القاسم، لا يعرف الحركة الوطنية الأسيرة... فهو علم من أعلامها ورمز من رموزها، وأحد أبُنائها الأساسيين، وكان على الدوام عماداً أساسياً من أعمدتها الراسخة... فكان في حياته قائداً فذاً، ومناضلاً شرساً، وأسيراً شامخاً، ونموذجاً رائعاً، وفي مماته شهيداً خالداً، و قنديلاًً لن ينطفئ نوره، نعم هذا هو عمر القاسم لمن لا يعرفه، بل يعجز القلم عن وصف خصاله وتجف الكلمات حينما تسرد سيرته، وتنحني القامات تقديراً، حينما تتحدث عن بطولاته ومواقفه .

وبالرغم من قسوة السجن والسجان، و الشروط الحياتية القاسية، والمعاملة اللا إنسانية، إلا أنه لم يستسلم للواقع المرير، فكان صلباً مخلصاً، وعنيداً غيوراً، وصبوراً كصبر الجمال، لم يساوم على مبدأ، وكان من القلائل الذين يمتلكون الثقافة التنظيمية والسياسية والثورية، فلعب دوراً بارزاً في وضع اللبنات الأولى لعملية التثقيف التنظيمي والسياسي، وساهم بوعيه وثقافته في التعبئة والحشد المعنوي في إعداد الأسرى، وفي مواجهة إدارات القمع الإسرائيلية، لتحسين ظروف الاعتقال، فشارك مع رفاقه المعتقلين في العديد من الإضرابات عن الطعام، بل وكان من أبرز الداعين لتلك الإضرابات، ومن قياداتها، كما شارك في العشرات من الخطوات الاحتجاجية، ونسج علاقات  قائمة على الاحترام، فحظي باحترام الجميع، ففرض نفسه بقوة على الساحة الاعتقالية، بأخلاقه وسلوكه، وحفر اسمه بحروف من نور، بمواقفه البطولية، وغدا عمر القاسم، نموذجاً وقائداً لكل الحركة الوطنية الأسيرة.

نعم عمر القاسم، هو القاسم المشترك، بين الأطياف السياسية للحركة الوطنية الأسيرة، وبعد عملية تبادل الأسرى عام 1985م بين الجبهة الشعبية- القيادة العامة وإسرائيل، والتي لم يفرج في إطارها عنه، تعرضت الحركة الأسيرة في كافة السجون الإسرائيلية لهجمة شرسة من قبل إدارة السجون، لسحب إنجازاتها ومكاسبها وكسر شوكتها وإذلالها، إلا أن عمر القاسم بتجربته الغنية وشجاعته وصمود زملائه وإصرارهم، كان لهم رأي آخر، فتصدوا وبحزم وببسالة لذلك، من أجل تثبيت تلك المكاسب، والتي تحققت بفعل دماء وآلام الأسرى، وقد كان لعمر القاسم دور قيادي مميز في ذلك.

ومن مواقفه البطولية، عندما قامت مجموعة مسلحة تابعة لتنظيمه الذي ينتمي إليه، بتنفيذ عملية " معالوت " (ترشيحا) في منطقة الجليل، واحتلالها مبنى مدرسة عسكرية، واحتجاز من فيها من الطلبة كرهائن، استدعت إدارة السجن الشهيد "عمر القاسم" ومعه الشهيد " أنيس دولة"  وأخذوهما على متن طائرة مروحية إلى مكان العملية، وأعطوه الميكروفون، ووضعوه على ظهر آلية عسكرية، وطلبوا منه مفاوضة الفدائيين لتسليم أنفسهم، وإطلاق سراح الرهائن، لكن عمر القاسم رفض طلبهم بإصرار، وطلب من قادة العملية، عدم الوثوق بالوعود الإسرائيلية، وأبلغهم بأنه يتوجب عليهم، أن ينفذوا تعليمات قادتهم بحذافيرها، فانهال عليه الجنود الصهاينة بالضرب المبرح، وأعادوه إلى زنازين المعتقل الانفرادية كعقاب له، وبقي فيه، إلى أن استشهد داخله في 4-6-1989م  ) .

المصدر / صحيفة الحياة الجديدة – فلسطين -  25-5-2008

- اضغط هنا لقراءة النص الكامل لمقال الأخ عبد الناصر فروانة في الذكرى الخامسـة عشـرة لاستشهاده 4-6-2004