حين يتكلم الألم !
صورٌ من معاناة الأسر والأسرى
د. عدنان جابر*
في وداع أم عمر ألبرغوثي !
أسوار السجن عالية، تلامس غربان السماء. بوابة السجن هائلة، تدار كهربائياً. أبواب السجن كثيرة، والحرية لها باب واحد.
في يد السجان رزمة من المفاتيح، للباب الأول.. والثالث.. والعاشر، للباب الأول والباب الأخير، لغرف وحجرات فوق الأرض، ولزنازين وخزائن تحت الأرض.. مفاتيح كثيرة.
أيهما أقسى، قفل السجن.. أم.. قلب السجان ؟!
***
"وينك يما يا نائل وينك يما يا عمر".. هذه آخر الكلمات التي نطقتها الحاجة فرحة رباح ألبرغوثي (75 عاماً) من قرية كوبر قضاء رام الله، قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة في مستشفى الشيخ زايد في رام الله، بعد أن رفضت إدارة السجون الإسرائيلية السماح لها برؤية ولديها بزيارة خاصة في السجن، ولم تسمح لولديها بوداع أمهما. هكذا اختتمت "أم عمر" حياة مليئة بالأحزان والإرادة، ووضعت حداً لمسلسل طويل من معاناة التنقل بين سجون الاحتلال، وانتظار الإفراج عن ولديها الأسيرين.
أم عمر ألبرغوثي، المرأة الصلبة المكافحة التي تميزت بمشاركتها الفعالة والإيجابية بمسيرات مناصرة الأسرى وصبرها الذي لا ينفد، هي والدة نائل صالح ألبرغوثي ثاني أقدم أسير في سجون الاحتلال بعد الأسير سعيد وجيه العتبة من نابلس عميد الأسرى الفلسطينيين وأقدم أسير فلسطيني ، نائل معتقل منذ 4/4/1978(سجن عسقلان) ولا يزال، سعيد أُعتقل بتاريخ 29/7/1977 ولا يزال، أما سمير سامي قنطار عميد الأسرى اللبنانيين فهو معتقل منذ 22/4/1979 (سجن هداريم) ولا يزال.
***
على سرير المستشفى تناست أم عمر الألم الذي كانت تعاني منه جَرّاء مرضها بالقلب وتشمع الكبد، واستبدلت صرخات الوجع بصرخات أشد إيلاماً وهي تنادي على ولديها الأسيرين حين كانت تسلم روحها الطاهرة إلى باريها.
معاناة تلك الأم "فرحة" بدأت بصورة مباشرة عام 1978 عندما كانت تبلغ 47 عاماً حينما اعتقلت قوات الاحتلال ولديها نائل وعمر إضافة إلى ابن عمهما فخري ألبرغوثي، بعد مداهمة قريتهم كوبر، وحكمت المحكمة العسكرية الإسرائيلية بالسجن المؤبد و 100 عام على كل منهم بعد اتهامهم بقتل أحد الإسرائيليين الذي كان يعمل سائقاً على إحدى الحافلات الإسرائيلية بالقرب من مستوطنة حلميش غربي رام الله.
تنقلت الحاجة فرحة بين سجون الاحتلال لزيارة ولديها الأسيرين دون كلل أو ملل. وقد ساهم تحرير ولدها عمر ألبرغوثي في صفقة تبادل الأسرى عام 1985 بالتخفيف عنها بعض الشيء، إلا أن فرحتها لم تدم طويلاً حيث أقدمت قوات الاحتلال مجدداً على اعتقال ولدها عمر مرات عديدة حيث قضى 15 عاماً في السجن ولا يزال.
الحاجة فرحة لم تذق طعم الفرح منذ 28 سنة، مدة سجن ولدها نائل. حفيدها عاصف عمر ألبرغوثي (28 عاماً) الذي ولد في ذات السنة التي أعتقل فيها والده، كان يرافق جدته في المستشفى، قال: " جدتي فارقت الحياة وهي تنادي على أبي عمر وعمي نائل ".
احتفظت أم عمر طيلة 28 عاماً بصور ولديها فوق سريرها داخل غرفتها المتواضعة في منزلها بقرية كوبر إلى الشمال من رام الله، وذكر حفيدها عاصف أنها كانت تحرص على الاعتناء بتلك الصور وكأنها تعتني بأولادها وترفض السماح لأي شخص الاقتراب من الصور التي لا زالت معلقة فوق سريرها.
***
يا موت اترك لنا أُمنا.. كان يوم السبت التاسع عشر من شهر رمضان الثاني والعشرين من تشرين الأول من العام ألفين وخمسة عندما توفيت الحاجة فرحة ألبرغوثي والدة الأسيرين عمر ونائل بعد أن قاومت المرض طويلاً.. نادت على أولادها ونادت على كل الناس كي يساعدوها لترى ولديها قبل مجيء الآخرة..
لأول مرة لا تذهب أم عمر إلى السجن...
يا موت أترك لنا أُمنا.. فهي الوحيدة التي تدرك حالات التأمل في ساعات الحُمّى عندما يتحول الأسير إلى شبح، وهي الوحيدة مُرتقى الحلم الذي يعرف الأسير من خلاله كم سنة مضت وكم سنة ستجيء ليقيس المدى المهدور بين الموت والحياة..
يا موت أترك لنا أُمنا.. فنحن بحاجة إلى الخيال كي نرى البحر بحراً والشجرة شجرة.. ونحن بحاجة إلى سماع صوت الحياة في أجسادنا المحاصرة..
يا موت أترك لنا أُمنا.. لقد أخذت كل شيء.. بعدها سيكون السؤال ناقصاً.. فمن سيسأل عن سمير القنطار وأبو علي يطا وسامي يونس وعلاء البازيان...
***
أم عمر ألبرغوثي كانت تقول عن الأسرى : كلهم أولادي. هكذا الأمهات الفلسطينيات يقلن عن الأسرى، وهن أكثر حناناً وعطفاً على الأسرى العرب، أو الأسرى الممنوعة زيارتهم.
أحد الشعراء قال: الأم أعظمُ من أَخصَب. من شدة حاجتنا لأمنا نشعر وكأنه لا يجوز أن تموت. حاجة الأسير لأمه لها خصوصية.. صلته بها خاصة.. وتقييمه لها خاص.
الأسير يرى أمه شجرة عطاء.. جبل صمود.. ونبع حنان. رهافتنا نحن الأسرى لا تجعلنا نصدق بسهولة أن أم عمر قد ماتت.. أن هذه الشجرة قد جفَّت.. هذا الجبل قد تهاوى.. وهذا النبع قد توقف.
رغم ذلك.. رغماً عنا.. ها هي أمهاتنا قد رحلن.. أو سيرحلن. مع وفاة كل أم نتذكر أمنا. وفاة أم عمر جعلتني أتذكر أمي الحاجة سعاد أم غازي التي كانت تراني وأنا في الأسر أكثر من رؤيتها لي وأنا في المنفى. أتذكر رسالتها التي بعثتها لي من الخليل وأنا أعالج في رومانيا من شظايا "الدمدم" التي استوطنت قدمي: " ليتني قطعة شاش أبيض ألتفُّ بها على قدمك يا ولدي الحبيب ". رحلت أمي ولم أتمكن من وداعها أو زيارتها بسبب ظلم الأعداء وبسبب تخلف في إنسانية "أشقاء" يستسيغون المخبرين ويلفظون المناضلين. وتذكرت الصديق إسماعيل الدبج المناضل العربي الأردني الممنوع من دخول وطنه، والذي لم يتمكن من وداع أمه وطلب رضاها قبل أن تنتقل إلى رحمته تعالى...
نعترف نحن الأسرى أننا قد "أتعبْنا" أمهاتنا كثيراً، أنهن قد سعين وطاردن وراءنا كثيراً.. و"تبهدلن" بسببنا كثيراً.. وأننا كنا نكتفي بانتظارهن !
وأعترف بأنه قد خطر في بالي وأنا في الأسر، أن أطلب من أمي ألا تزورني، رفقاً بحالها. لكنني لم أجرؤ على التصريح برغبتي هذه، ومن المؤكد أنه لو فعلت لقالت لي: ما هذه الرغبة السخيفة.. ما هذا الكفر!
أيها الناس، يا من تعتبرون الأسرى أبطالاً في الصمود والشموخ، نحن بشر قابلون للحزن وللهشاشة. يحق لنا أن نذرف على أم عمر ألبرغوثي، على أمهاتنا جميعاً، الراحلات والصامدات، وعلى أنفسنا: يحق لنا أن نذرف دمعة !
ملاحظة: اعتمد كاتب هذا المقال، بالاستشهاد والاقتباس مع شيء من التصرف، على مواقع الإنترنت التالية:
1 ـ الأسرى نت.
2 ـ الحياة الجديدة، 11-11-2005 ، مقال منتصر حمدان: ماتت وهي تنادي وينك يما يا نائل وينك يما يا عمر.
3 ـ جمعية نادي الأسير الفلسطيني، مقال عيسى قراقع: يا موت اترك لنا أمنا.
4 ـ وزارة شؤون الأسرى، تقرير: الأسرى القدامى.. معاناة مستمرة ومضاعفة.
* كاتب فلسطيني، أسير سابق ومبعد